RSS

Category Archives: العلاقة بين اللغة والحضارة

أجوبة أسئلة اللقاء الأول من “حلقة القراءة” : كتاب “تاريخ الفكر الأوروبي الحديث” لرولاند سترومبرج .

سؤال (1) : تكلمت عن صناعة أوعية تحمل العلم في الوطن العربي ، من وجهة نظرك ما السبيل إلى صناعة هذه الأوعية ؟

الجواب : السبيل إلى صناعة أوعية معرفية تستقبل العلوم التجريبية بحالتها الحديثة لتقدمها إلى العقل العربي المعاصر يتلخص في انشغال المجتمع ، لاسيما طليعته من الشباب ، بهذه العلوم فهماً وإدراكاً و تطبيقاً و دراسة ، بجانب وجود مراكز بحثية متخصصة ودوائر فلسفية معنية بفلسفة العلوم واللغة العربية تعمل على تأطير و تأسيس بُنى لغوية واصطلاحية تخدم هذه العلوم و توفر لها التربة اللازمة للنمو في العقل العربي المعاصر ، هذا بالطبع يحتاج لانصراف عدد كبير من الشباب بالكلية إلى مجالات لم يعتدها من قبل : مثل تاريخ الأفكار في العلوم الطبيعية (الفيزياء والرياضايات خصوصاً) و فلسفة العلوم و اللغة العربية واللغات الأجنبية (الإنكليزية والألمانية تحديداً)

سؤال (2) : السؤال عن أخلاقيات العلم ، بمعنى : هل يتعارض الإسلام مع الاكتشافات العلمية ؟ بمعنى آخر هل يتيح الإسلام للعلم التوسع في الاكتشافات أم يتدخل في البحث العلمي العلمي بالحلال الحرام ؟ وإذا كان الأمر كذلك أليس هذا حجراً على العلم في الوقت الذي لا تفعله العلمانية (أمثلة: الاستنساخ والحرب البيولوجية)

الجواب : في الحقيقة ما تسأل عنه يعتبر من عناصر الأوعية المعرفية التي نسعى لصياغتها مستقبلاً ، فلا أجد لدي إجابة لما تسأل عنه الآن ، لكن أتصور أن الإجابة سيتم التوصل إليها من خلال بناء قوي ومتماسك من الأبحاث والدراسات التي تصل إلى صياغة علاقات معرفية مستدامة بين الشريعة الإسلامية و مستويات البحث العلمي وقضاياه المختلفة ، ولكن أتصور أن هذه الأبحاث والدراسات يجب أن تنطلق من مقاصد الشريعة الإسلامية وأصول الدين لا من الأحكام الفرعية ، كما أتصور أنها يجب أن تنطلق من فهم دقيق ومعاصر للبحث العلمي وقضاياه الحالية والمُلِحة… لكن هل هذه التصورات التي أتحدث عنها صحيحة أم لا ؟ لا أحد يستطيع أن يقدم إجابات حاسمة حتى نحصل على هذه البناء القوي المتماسك !

سؤال (3) : ما هي الكتب التي تفيد الباحث في مجال فلسفة العلم والنظريات العلمية الحديثة [للمتخصصين وليس كتب عامة] أي تشمل الرياضايات والفيزياء والبراهين

الجواب : المصادر العلمية الهامة للمتخصصين تتمثل في الأبحاث التي تنشر في الدوريات العلمية المتخصصة ، فينبغي على المتخصص الاطلاع علي هذه الأبحاث قبل أن يقرأها مجمعة وملخصة في الكتب ، فعلى سبيل المثال ينبغي للمهتم بالنظرية النسبية أن يقرأ أبحاث اينشتين الأصلية ، ثم يقرأ التعليقات الفلسفية لسير جيمس جينز و برتراند راسل مثلاً ، ثم يقرأ نقد هيربرت دينجل وردود كارل بوبر عليها ، هذا ليدرك كل ما تم التوصل إليه بشأن النسبية على المستويين الرياضي/الفيزيائي و الفلسفي…وهكذا ، فالموضوع لا يمكن تلخيصه في كتاب واحد ، ربما إذا قرأت الكتاب الذي كتبه أينشتين نفسه أو كتب بيرجمان أو ريندلر…ربما إذا قرأت هذه الكتب ستحصل على صورة مقربة للموضوع لكنها لن تكون صورة “متخصصة” بتفاصيلها ، وهكذا في كل مواضيع الفيزياء النظرية وعلم الكونيات وغيرهما

سؤال (4) : هل الاهتمام بسؤال (كيف) أكثر من سؤال (لماذا) صحيح ؟ ولماذا ؟

الجواب : سؤال (كيف) يبحث عن العلل الجزئية/القاصرة ، وإجابة هذا السؤال تصنع التقدم على المستوى التقني/التطبيقي ، أما سؤال (لماذا) فهو يبحث عن العلل الكلية/المتجاوزة ، وإجابة هذا السؤال تصنع مناهج البحث المعرفي كما تصنع التصورات الإنسانية عن الوجود والكون ، فأرى أن الاحتمام بسؤال (لماذا) يجب أن يقتصر على المستوى الأصولي من فلسفة العلوم ، وهو المستوى الذي يُعني بطرق البحث العلمي ومراتب الحجية المعرفية لنتائج ذلك البحث وما إلى ذلك ، أما أن يتعدى هذا السؤال إلى البحث في العلل المتجاوزة ، فأرى أنه فائدته لن تكون ذات أهمية كبرى للعقل الإسلامي العربي لأنه إما سينتج إجابات تتصادم مع حقائق الوحي ، أو سينتج إجابات جزئية غير مكتملة لن تفيد نظرية المعرفة الإسلامية إفادة ذات أهمية.

سؤال (5) : ما هو دور نظرية التطور في إلحاد العلماء ؟ وهل ستسهم “أسلمة المعرفة” في إعداد أوعية لتلقي العلوم وبدئ نهضة علمية إسلامية ؟

الجواب : خلال القرن العشرين لعبت نظرية التطور دوراً محوراً في نشر وتدعيم ظاهرة الإلحاد العلمي لاسيما في الدوائر العلمية ، حيث توصلت هذه النظرية من خلال استقراء التركيب الحيوي والبناء الفيسيولوجي للكائانات الحية -لاسيما من مملكة الحيوان – إلى وجود اصل مشترك لهذه الكائنات ، ثم وضعت النظرية تصوراً لكيفية نشوء الأنواع المختلفة من هذا الأصل المشترك وذلك من خلال آليتين رئيسيتين (حسبما ترى الداروينية الكلاسيكية) وهما الانتخاب الطبيعي و الطفرات ، وتقدم هذه النظرية تصوراً افتراضياً لوجود أنواع مختلفة من الكائنات بدون الحاجة لتدخل إلهي لخلق هذه الأنواع بشكل مستقل ، ومن هنا جاءت أهميتها للإلحاد الحداثي ، لاسيما مع ظهور نزعات أكثر تطوراً لدى المعاصرين من العلماء [المؤمنين] بهذه النظرية حيث قدمت هذه النزعات تفسيرات جزيئية وجينية للطفرات و الانتخاب الطبيعي.الإشكالية الكبرى التي تواجه نظرية التطور تكمن في الاستقراء الذي اعتمدت عليه هذه النظرية  لإثبات الأصل المشترك للأنواع ، فهو استقراء ناقص ومن ثم فيستحيل أن يقود إلى [حقيقة] كما يدعي [المؤمنون] بهذه النظرية ، والإشكالية الثانية التي تواجه هذه النظرية تكمن في غياب الربط بين (تطور) الأنواع المختلفة من الأصل المشترك و (نشأة) الصل المشترك من العدم ، فالأطروحات التي تتحدث عن تكون “الخلية الأولى” من العدم [قصة البرق و الضغط و الكربون والهيركوجين والأكسجين] تقترب من كونها (أسطورة وثنية) أكثر من كونها “فرضية علمية” ! ، ومن هنا تنشأ الإشكالية الثالثة التي تواجه نظرية التطور وهي افتقارها لأي افتراض يحتوي العلل المتجاوزة (أو الحقائق الكلية) بما يجعلها تصلح كبديل للأديان كما يدعي [المؤمنون] بها ! أما الإشكالية الرابعة التي تواجه نظرية التطور فهو افتقارها لأي ارتباط علمي رصين بأبحاث الفيزياء وعلوم الكونيات وفيزياء الجزيئات والأنموذج الذري القياسي (يمكن مراجعة كتاب مناقضة الفيزياء لنظرية التطور لأورخان محمد علي) ، بما يجعلها كيان [فلسفي] قائم بذاته !هذه أهم افشكاليات النقدية التي عجزت نظرية التطور عن مواجهتها خلال المائة عام المنصرمة ، وهي ذات أفشكاليات التي جعلها تنهار كمحور ارتكاز للإلحاد العلمي خلال العقدين المنصرمين ، ربما بقيت كمحور للإلحاد في الدوائر الشعبية في الغرب والتي تتميز بهشاشة محتواها العلمي والفلسفي ، لكنها بالتأكيد فقدت بريقها العلمي وباتت مجرد [ديانة] شبه-علمية ! الإلحاد العلمي الحداثي يحاول الارتكاز الآن إلى أطروحات فيزياء الجزيئات والفيزياء النظرية وعلم الكونيات ، لكن المشكلة أن الثلاثة فروع تعاني من غشكاليات فلسفية تحول تماماً دون قبولها معرفياً كبديل للدين !أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال ، فأحب ابتداءاً أن أسجل اعتراضي على مصطلح “أسلمة المعرفة” كما وضحت شفهياً في اللقاء ، وأضيف أن الأوعية المعرفية التي قد تحدثت عنها منوط بها إعادة إنتاج الإطار الفلسفي الإسلامي للعلوم الطبيعية بما سيشكل حجر الأساس لإعادة استلهام مفردات الحضارة الإسلامية وبعثها من جديد في الألفية الثالثة.

سؤال (6) : كيف نواجه الإلحاد العلمي الحادث الآن وطرح بعض الكتب لمواجهته ، وسؤال آخر عن أنواع عمليات التعلم في الغرب وعند العرب

الجواب : لاشك أن الإلحاد العلمي منتشر الآن بشكل وبائي في الغرب ، فتدل الإحصائيات والاستبيانات على أن أغلبية الشعوب في العديد من بلدان أوروبا ملحدة ، وكذلك في كبرى دول آسيا مثل كوريا واليابان والصين ، ولكن هل وصل الإلحاد العلمي إلى هذا المستوى في الوطن العربي ؟ لا شك عندي أن الإجابة هي لا ! فالإلحاد العلمي بأبعاده الفلسفية والفكرية لم يزل منحصراً في فئة قليلة للغاية وهامشية في المجتمعات العربية بشكل عام ، هل موجود ؟ نعم لكنه غير مؤثر على المستويات الجماهيرية الفاعلة في توجيه المجتمعات ، لكن آثاره الفكرية في السياسة و الاقتصاد والنظام الأخلاقي للمجتمع مؤثرة بشكل كبير ، أو بمعنى آخر (العلمانية) كإطار تطبيقي للإلحاد العلمي -لاسيما من وجهة النظر الإسلامية- منتشرة ومؤثرة في المجتمعات العربية لا سيما في الشق الإفريقي من هذه المجتمعات ، وكيفية مواجهة ذلك تكون برأيي عن طريق ما أسميه “تأميم الدعوة الإسلامية” أي خروجها من “صندوق” الحزب/التيار/الجماعة إلى آفاق المجتمع وانصهارها في العمل الجماهيري العام ، ما هي آليات ذلك ؟ اقترحت بعض الآليات في مقال بعنوان “تأميم الحركة الإصلاحية الإسلامية” نشر في فعاليات المركز العربي للدراسات والأبحاث ، لكن لا أملك الجزم بصحة هذه المقترحات الأولية ، والباب مفتوح للمزيد من الأطروحات والرؤى لإعادة الريادة افصلاحية للمجتمع المسلم بعدما سلبته الكيانات “الصندوقية” المنتسبة للدعوة الإسلامية الفاعلية والحركة وريادة الإصلاح.أما بالنسبة لأنواع عمليات التعلم في الغرب وعند العرب ، فما فهمته أن السؤال متعلق بتقنية التعليم والتعلم ، وهذا من فروع العلوم التي تخلف فيها العرب أشد تخلف ، وهذا واضح تماماً من المنتج النهائي العلمي لدى الغرب والعرب على وجه المقارنة ، وربما كان من المناسب أن أترك إجابة هذا السؤال لمن كان متخصصاً في هذا الفرع.

سؤال (7) : إذا كان الإطار العلمي الغربي إلحادياً ، فما هو معيار القبول والرفض للنظريات القادمة منه ؟ هل هو الفلسفة العامة للنظرية ؟ أم وجود النص ؟

الجواب : لا يمكن التعميم هكذا ، فلا يصح أن نقول أن الإطار العلمي الغربي إلحادي ، بل الحاصل أن الغرب يسعى لمد وتوسيع الإطار المعرفي للعلوم التجريبية ليجعلها قادرة – أو هكذا يدعي فلاسفة العلوم – على تقديم إجابات للأسئلة الكبرى التي تدور في العقل الإنساني منذ آلاف السنين بحيث تكون هذه الإجابات بديلاً متكاملاً عن الدين ، وهذا هو وجه النزاع كما أراه بين فلسفة العلوم المعاصرة وأصول الدين ، فهذا المد والتوسيع للعلم التجريبي يفتقر لوجود أصول مستقلة وموضوعية للعلوم التجريبية ، وهذه الأصول غير موجودة ، فأصول العلوم التجريبية هي في حقيقتها أصول [ميتافيزيقية] افتراضية ، مثل اطراد الحوادث ، ودلالة الاستقراء الناقص ، والسببية المتناهية ، وغير ذلك ، بينما أصول الدين أصول موضوعية مستقلة : الخبر الصادق و الخطاب العقلي المكتمل ، وهذا يجعل العلوم الطبيعية تعجز عن الامتداد إلى المناطق التي يغطيها الدين ، وهي مناطق الحقائق الكلية و العلل المتجاوزة. في نفس الوقت فإن العلوم الطبيعية تحمل من التفاصيل ما يعجز الدين عن الإجابة عنه ، فالتجربة والمشاهدة الحسية تجيب عن أسئلة تفصيلية تركها خطاب الوحي للإنسان مثل كيفية إنتاج الطاقة من الرياح ، و معدلات انتشار الأمراض الوبائية …إلخ.أما معايير النظر في الإنتاج العلمي الغربي فهي تتعلق بوجود (الأوعية المعرفية) التي تحدثت عن افتقارنا لها حالياً ، فنحن لا نمتلك اي وعاء معرفي مستقل و مستدام نستطيع من خلاله أن نزن أي نظرية علمية كماً وكيفاً أو أن نحدد معيار مناسبتها لنا ونفعها لمشاكلنا كمسلمين. سؤال (8) : كيف يمكن استيعاب العلوم الغربية داخل المحتوى العربي ؟ أو / كيف يمكن تعلمها بلغتها الأصلية دون التلبس بتبعاتها الثقافية ؟

الجواب : هذا يتوقف على وجود (أوعية معرفية) تمكننا من استيعاب هذه العلوم أساساً ، ثم وجود (حراسة ثقافية/إسلامية) لدى المجتمع تمنع التأثر بالمحتوى الثقافي للعلوم الغربية ، لكن الذي حدث خلال المائتي عام السابقة أننا لم نمتلك هذه الأوعية ، ولا تلك الثقافة ، فلم نستطع الاستفادة من العلوم التجريبية ومنجزاتها الغربية الحديثة ، وتأثرنا بالمحتوى الثقافي الغربي فتمت علمنة وتغريب للمجتمعات العربية ، وتضاءل المحتوى الإسلامي في المجتمع إلى أقصى صورة ممكنة ! وربما تحدثنا بتفصيل أكثر عن هذه القضية خلال مناقشة كتاب ألبرت حوراني في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

سؤال (9) : هل توجد كتب تتكلم عن تاريخ العلوم العربية ؟ وما هي كتب المستوى الأول لدراسة تاريخ العلوم الغربية ؟ وكيف يمكن تفعيل نوادي العلوم ؟

الجواب : كتب الأستاذ رشدي راشد مناسبة لعرض تاريخ العلوم الطبيعية عند العرب ، وكتب المستوى الأول لدراسة تاريخ العلوم الغربية هي : “تطور الأفكار في الفيزياء” تأليف ليوبولد إنفلد وألبرت أينشتين ،  كتاب “الأسس الفلسفية للفيزياء” تأليف رودلف كارناب ، وكتاب “فلسفة الفيزياء” تأليف فيليب فرانك

سؤال (10) : ما هي مراتب الحجية المعرفية للعلوم الطبيعية ؟

الجواب : هذا السؤال بالغ الأهمية ، فهناك مراتب متفاوتة للحجية المعرفية للمعلومات التي يتم التوصل إليها في العلوم الطبيعية ، كل منها يتعلق بطريقة من طريق الاستدلال العلمي ، فأعلى مرتبة هي مرتبة الحقائق وهي المعلومات التي يتم الاستدلال عليها بطريق الاستنباط ، فعلى سبيل المثال هناك قاعدة تقول بأن “حاسة النظر تدل على الشكل الحقيقي للأشياء” فإذا رأى الإنسان شجرة بجوار جبل ، فإنه يستنبط من هذه القاعدة حقيقة تقول أن : “الشجرة أقل ارتفاعاً من الجبل” ومرتبة هذه المعلومة “حقيقة” ونوعها أنها “وصف كيفي” فإذا قام بقياس فرق الارتفاع بينهما وحدده بألف متر مثلاً ، فسيقول أن “الشجرة أقل ارتفاعاً من الجبل بمقدار ألف متر” فأصبح نوع هذه الحقيقة “وصف كيفي مقترن بقياس كمي” ، أما المرتبة التي تليها فهي مرتبة النظرية ، وهي المعلومة التي يستدل عليها بطريق الاستقراء ، فإذا رأى الإنسان بجعة بيضاء ، ثم تكررت هذه المشاهدة عدد كبير من المرات ، واشتملت على أماكن مختلفة وأزمنة متفاوتة ، فيمكنه التوصل إلى “نظرية” تقول : “البجع لونه أبيض” وتظل صحة هذه النظرية محل تساؤل وكلما زاد عدد المشاهدات المؤيدة لها زادت صحة النظرية ، لكنها لا تقترب أبداً من مرتبة “الحقيقة” التي عرفت بالاستنباط. هذا بالطبع يتقاطع مع نظرية بوبر في “معيار قابلية الخطأ” لكن هذا التقاطع لا يتسع له المقام هنا ، وهناك مرتبة “التفسير العلمي” الذي يبنى على الاستقراء كذلك لكن يتداخل مع الاستقراء “أطروحة منطقية” أو “إثبات رياضي” يسعى لتقديم تفسير منطقي لحدوث الظاهرة التي تم استقراءها ، وينبغي أن يستند التفسير العلمي إلى بعض المشاهدات المستقلة كذلك ، لاسيما في الفيزياء ، وتبقى مرتبة “الفرضية” وهي أقل مرتبة من مراتب الحجية المعرفية وهي “أطروحة منطقية” تفتقر للاستقراء التجريبي لكنها تستند إلى إثبات رياضي محكم أو تحليل منطقي رصين ، مثل فرضية الأكوان المتعددة أو فرضية الأوتار الفائقة أو غير ذلك من الفرضيات التي تسعى إلى إيجاد بدائل فلسفية للحقائق الكلية التي يحتويها الدين من خلال إطار “علمي” !

هذه هي مراتب الحجية المعرفية الرئيسية في العلوم الطبيعية ، وتتراوح منجزات العلوم بينها وبين مراتبها الفرعية ، كما تتراوح معايير تطبيقها من مدرسة إلى أخرى من مدارس فلسفة العلوم ، ولهذا تفصيل آخر.

سؤال (11) : أين يقع العلماء المسلمون في تاريخ العلوم ؟ مثلاً اين يقع بديع الزمان الجزري مؤسس علم الميكانيكا ؟

الجواب : الإجابة على هذا السؤال تتوقف على تعريفنا لــ(تاريخ) العلوم ، فإذا كان تعريفنا للتاريخ على أنه سجل زمني للحضارة الإنسانية ، فسنجد أن دور العلماء المسلمين كان محدوداً للغاية ، بالنسبة للمظاهر ومنجزات العلوم في الحضارة المعاصرة ، بينما كان دورهم كبيراً إبان حقبة الحضارة الإسلامية ، وهكذا بالنسبة للإغريق و الفراعنة وسائر الحضارات ، هذا إن سلمنا بكون الجزري مؤسس الميكانيكا مثلاً ، أما إن كنا نرى التاريخ هو الحضارة ذاتها ، مثلما فعل سترومبرج في كتابه مثلاً – وهذا ما لا أتفق معه كثيراً – فسنجد أن دور العلماء المسلمين كان كبيراً مثل غيرهم ، مثل الإغريق والفراعنة وعلماء عصر النهضة والتنوير والعصر الحديث ! الخلاصة من وجهة نظري : لايوجد ميزة (استثنائية) تميز العلماء المسلمين عن غيرهم من العلماء الطبيعيين في سائر الحضارات الإنسانية المختلفة ! لكن هل حدثت سرقات علمية خلال عصر النهضة الأوروبية لمنجزات العلماء المسلمين وتمت نسبتها إلى علماء عصر النهضة ؟ نعم ، هذا ثبت تاريخياً ، لكن كذلك ما تم بناؤه من منجزات علمية في أوروبا فيما بعد أكبر بكثير مما تم بناؤه من منجزات علمية في الوطن العربي ، أو العالم الإسلامي بشكل عام !

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , ,

خطبة الجمعة و الــ Geomagnetic Reversal !!!

خطيب الجمعة اليوم تحدث عن التوبة و أن التوبة لا تقبل بمجرد ظهور علامات الساعة الكبرى ، و هذا طبعاً مفهوم ، الأمر المفاجئ أنه بعد أن سرد كل الآيات و الأحاديث التي تحث على التوبة ، بدأ في الحديث عن “طلوع الشمس من مغربها” و استدل بالمقال المنسوب للديلي ميل البريطانية الذي انتشر منذ أيام على الفيسبوك و الذي يقول أن انعكاس قطبية المجال المغناطيسي للأرض سيتسبب في “طلوع الشمس من مغربها” !! يعني سيتسبب في انعكاس اتجاه دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس !!
الحقيقة أنني قد وطنت نفسي منذ فترة طويلة على أن نسبة كبيرة – لا يستهان بها- من خطباء الجمعة في بلادنا يتمتعون بقدر لابأس به من المزيج السحري – الخطير – المكوّن من الجهل و البلادة و الحماس !! لذلك لم آبه لكلام ذلك الخطيب ، و تذكرت مواقف مشابهة كثيرة اضطررت فيها للاستماع لخطباء يتحدثون عن علاقة الاستنساخ بالدابة التي ستكلم الناس قبل القيامة ، و أن هبوط أمريكا على القمر خرافة ، و عن اقتراب الإعصار الشمسي الذي سينهي التكنولوجيا لكي نحارب اليهود بالسيوف…وما إلى ذلك مما يوضح اعتمادهم في تحضير خطبهم على أفلام الخيال العلمي الأمريكية كمصدر رئيسي للمعلومات…
والحقيقة أيضاً أن مثل هذه الخطب ، و غيرها من الخطب التي تحاول التمسح في الواقع المعاصر و أحداثه ، تجعلني أؤدي صلاة الجمعة من باب “تأدية الفروض” لا أكثر و لا أقل ! وبمجرد الفراغ من التسليم “أفرّ” من المسجد !! – للأسف هكذا يكون شعوري –
المهم أنني شعرت أنه من الواجب عليّ أن أوضح أن قطبية المجال المغناطيسي للأرض تنعكس كل بضعة آلاف من السنين وهي الظاهرة المعروفة باسم Geomagnetic reversal ، وهذا نتيجة تغيرات متعددة في قلب الكرة الأرضية المكون من المعادن السائلة والذي يعتبر هو مصدر المجال المغناطيسي للأرض ، و الثابت – تجريبياً – أن هناك أدلة جيولوجية واضحة – معادن و أحجار بركانية ذات مجال مغناطيسي منعكس – تدل على حدوث هذه الظاهرة [1,2] و يسبق حدوث هذا الانقلاب في المجال المغناطيسي للأرض ضعف لشدة المجال نفسه ، و هذا هو الذي رصدته ناسا و سائر علماء الجيولوجيا كمؤشر على اقتراب حدوث انقلاب في المجال المغناطيسي للأرض [3].
المشكلة الكبرى أن انقلاب أو انعكاس قطبية المجال المغناطيسي للأرض لا يؤثر إطلاقاً على اتجاه دورانها حول نفسها !! بل إن شئنا الدقة ، فإن تعقيد مركبات حركة الدوران هو أحد العوامل التي تتسبب في تغير المجال المغناطيسي كما جاء في مقال سانتيفيك أميريكان [3] ! و مقال الديلي ميل ، الذي استشهد به خطيب الجمعة [4] لم يتطرق إطلاقاً إلى دوران الأرض حول نفسها !!! بل إن الكذبة المتعلقة بأن انقلاب قطبية المجال المغناطيسي للأرض هو دليل على قرب شروق الشمس من مغربها هي كذبة عربية صرفة !! العلم و الديلي ميل و ناسا و وكالة الفضاء الأوروبية أبرياء منها تماماً !!

إذن نحن أمام مشكلتين خطيرتين: الأولى تتمثل في المزيج السحري الخطير الذي تتمتع به شريحة ضخمة من الخطباء و الدعاة و الذي يساهم و يعزز من تكريس الجهل في المجتمع – والثانية مجتمع يتناقل الأكاذيب و يكاثرها بقدر هائل من اللامبالاة ، بل و قد يظن البعض أنه نوع مطلوب من “الترهيب” للناس !!

السؤال الملح الآن هو كيف يمكن أن نعالج هاتين المشكلتين الكارثيتين ؟!


المراجع

[1] Champion, Duane E., Marvin A. Lanphere, and Mel A. Kuntz. “Evidence for a new geomagnetic reversal from lava flows in Idaho: Discussion of short polarity reversals in the Brunhes and late Matuyama polarity chrons.” Journal of Geophysical Research: Solid Earth (1978–2012) 93.B10 (1988): 11667-11680.
[2] Vogt, Peter R. “Changes in geomagnetic reversal frequency at times of tectonic change: evidence for coupling between core and upper mantle processes.” Earth and Planetary Science Letters 25.3 (1975): 313-321.
[3] http://www.scientificamerican.com/article/earth-s-magnetic-field-flip-could-happen-sooner-than-expected/
[4] http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-2793259/earth-s-magnetic-field-flip-human-lifetime-cause-chaos-brings-world-s-electricity-grids-warn-scientists.html

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

قضية الإتقان !

الفارق المادي بين الشباب العربي و الشباب الغربي يمكن تلخيصه في “الإتقان” ! فبينما يتربى الشاب في أوروبا وأمريكا على الإتقان في كل شئ ، بدئاً من البيت و المدرسة إلى الشارع و المتحف و المصنع و الزرعة و المسرح و السينما ، يتربى الشاب العربي على الإساءة في نفس الأشياء !
الاثنان غارقان في الشهوات ، نعم صحيح ، لكن الشاب الغربي تضع له طبيعة الحياة و متطلباتها العملية قيود وقتية على هذه الشهوات فلا تجعله يستصحبها إلى أوقات العمل و التعليم ، الأوقات التي ينشغل فيها بالإتقان ! أما الشاب العربي فهذه الشهوات تمثل كل تفكيره و وعيه و واقعه ، ولا تمثل له قضية الإتقان أي أهمية في وعيه و تفكيره.

إن إصلاح المجتمعات العربية لا يمكن أن يتم بالاقتصار على احياء مفهوم التدين اللازم في نفوس الشباب ، وحثهم على التشبه المحض بالأجيال الأولى للأمة الإسلامية ! هناك حلقة مفقودة بين مفهوم التدين في هذه الصورة و مفهوم الإتقان المعاصر بشموليته ، هناك حلقة مفقودة بين الالتزام بالصلاة و الصوم و تجنب المحرمات و بين الشغف بالعلم و التعلم و الرغبة الحقيقية الأصلية في الإبداع ! هناك حلقة مفقودة بين مفاهيم الصدقة و الزكاة و الإحسان إلى الناس و الفقراء و بين إدراك ضرورة امتلاك أحدث أدوات الصناعة و فهم و تطبيق أحدث النظريات الاقتصادية و الإدارية ! هناك حلقة مفقودة بين التذكرة بالخصائص المتجاوزة للضمير المسلم (الحساب – الجنة – النار – الخلود) وبين مظاهر الحياة اليومية في الشارع و المكتب و المدرسة و المصنع ! هناك حلقة مفقودة بين دراسة الفقه و استيعاب أصوله ومذاهبه وبين إدراك فروض الكفايات المختلة في المجتمعات المسلمة و التي بسبب اختلالها يستعبدنا الغرب بكل مظاهر الحياة و الحضارة ! هناك حلقة مفقودة بين فهم التاريخ الإسلامي و إدراك أحكام السياسة الشرعية في زمن الخلافة وبين القدرة على التعامل مع الواقع العالمي الذي تحكمه الخلافة الصهيوأمريكية بالاقتصاد و العلم و الآلة العسكرية الجبارة !

إن انعدام الإتقان الذي نراه في مجتمعاتنا يظهر بوضوح في كل شرائح المجتمع ، المتدين و غير المتدين على حد سواء ، الغني و الفقير على حد سواء ، الموظف و التاجر على حد سواء ، المسئول الكبير و الموظف البسيط على حد سواء !

الخلل ليس في شخص و لا في طبقة ولا في مجموعة ، الخلل في العقول و المفاهيم و الوعي و الإدراك ، الخلل في الجو العام و المناخ الفكري الفاسد المُفسد !

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

ملاحظات علي الدستور

فيما يلي بعض الملاحظات عن الدستور الجديد ووجهة نظري في نقده ، كنت قد كتبتها علي تويتر ثم رأيت أن أجمعها وأرتبها هنا ، وهي تبدأ ببعض التعريفات والمفاهيم التي تؤسس لما سيأتي من نقد

أقول بعون الله أن العلمانية هي نسق فلسفي ينطلق من إنكار سلطة الخالق علي البشر ومن ثم هدم فكرة اتخاذ شرائع الأديان كأساس للنظم السياسية ، وإنكار سلطة الخالق علي البشر ينبع من فلسفة الإنسانية التي تدور حول تأليه الجنس البشري والإيمان بحتمية وصوله إلي سيادة الكون ، وعلي ذلك فإن العلمانية وفلسفة الإنسانية ترفضان تقييد حرية الفعل البشري تحت أي مسمي “إلهي” أو “ديني” ولا تعترفان سوي بالقيود المادية K التي يفترض بها أن تنظم السعي الإنساني لسيادة الكون والتحكم فيه ، ومن هنا تلتقي بالليبرالية التي تضع رغبات الإنسان في مقدمة مقومات الحضارة.

وفي هذا الإطار تأتي الديمقراطية كنظام سياسي يعكس أولاً سيادة البشر علي الكون ويوفر آليات لتقرير هذه القيود المادية وحماية رغبات الإنسان.

وتعكس مصطلحات “حكم الأغلبية” و “التشريع” و “حماية الحريات” الثلاثة مبادئ السابقة الذكر علي الترتيب ، ويأتي مبدأ المساواة الإنسانية كأحد لوازم الثلاثة أنساق: العلمانية ، فلسفة الإنسانية ، الديمقراطية، وهي تساوي بين كل أفراد الجنس البشري باستثناء بعض الفوارق المادية المصطنعة كالسن والوظيفة وما إلي ذلك.


إلي هنا انتهيت من تقرير المبادئ ، وأبدأ في نقد الدستور فأقول وبالله التوفيق أن الديباجة قد قررت مبادئ علمانية أساسية منها علي سبيل المثال وحدة الكفاح الإنساني ، والمساواة بين أهداف ذلك الكفاح لدي البشر كلهم ، والاعتراف بحاكمية الأغلبية ، وأهم عناصر فلسفة الإنسانية كالمساواة وقررت أهداف الكفاح الإنساني من وجهة النظر العلمانية ، وقررت بألفاظ مطلقة غير مقيدة “حماية الحريات” التي هي أهم عناصر الليبرالية.

ثم أتي الباب الأول ليؤكد علي هذه المبادئ ، فأكد علي المساواة المستمدة من فلسفة الإنسانية ، واتخاذ “حكم الأغلبية” ومن ثم “الديمقراطية” أساسين لنظام الحكم في الدولة ، وفي تجاهلٍ عجيب لأهم أزمة تعيشها الأمة الإسلامية اعترف الدستور بشريعة اليهود دون أي تفصيل للفرق بينها وبين الصهيونية مع إغفال حقيقة أن الأغلبية الساحقة من اليهود يدينون بالصهيونية ويتحاكمون للتلمود ، وكل ذلك بدون أي مبرر سياسي فاليهود في مصر عددهم 80 كل منهم عنده جنسية أخري !

ويفيض الباب الأول بالكثيرمن المصطلحات العلمانية/الليبرالية الشائكة بدون أي تفصيل أو توضيح لها مثل “المساواة” و “الحرية” و”الثقافة” بينما يخلو من أي بيان أو تقييد لمصادر التشريع الأخري التي تأتي بجانب “مبادئ الشريعة” ولا أي تفصيل لمعني وحدود “العدل” في ظل وجود مصادر أخري للتشريع ، ويختتم الباب الثاني بفصل المقومات الاقتصادية الذي يتجاهل تماماًواقع الاقتصاد العالمي الربوي ولايقدم أي تعريف لماهية “العدالة الاجتماعية” في إطار الواقع الاقتصادي العالمي والتحديات الاقتصادية التي تعيشها مصر.

أما الباب الثاني الذي يتحدث عن الحقوق والحريات فقد خلا تماماً من أي تعريف دقيق لمصطلح “الحرية الشخصية” وأصّل مجدداً للمساواة الإنسانية ، واختص في ذلك التأصيل بالتركيز علي المساواة الإنسانية أمام القانون ، وهذا مما يحتاج التوقف عنده والاستطراد فيه ، فالشريعة الإسلامية تمتلأ بأحكام مستنبطة من النصوص القطعية الثبوت والدلالة وغيرها من الإجماع تميز بين المسلمين وغيرهم في قضايا كثيرة ، منها علي سبيل المثال المنع من قبول شهادة الكافر ، وعدم المساواة في الدماء ، والمنع من توليه مناصب القضاء والولاية وغير ذلك كثير، فالتشديد علي التطبيق القانوني لمبدأ المساواة المستقي من فلسفة الإنسانية يمنع من تطبيق تلك الأحكام كلها ، وإن قيل مادة الشريعة تسمح بذلك أجيب علي ذلك بأن مادة الشريعة تسمح بوجود مصادر أخري للتشريع غيرها ، وبذلك فهي لا تمنع الجمع بين الشريعة وما يناقضها ، وهذا أحد أوجه التناقض في الدستور ، هذا بجانب أن مواد المساواة المستقاة من فلسفة الإنسانية مقررة في الديباجة التي اختتمت بالنص علي أن ما ورد بها “ثوابت” بخلاف الشريعة التي لم يأت لها ذكر في تلك الديباجة التي هي في حقيقتها “مبادئ فوق دستورية” وفي معظمها منبثقة من وثقة الأزهر المشؤومة.

أما الفصل الثاني من الباب الثاني فهو كارثيّ بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ! فقد كفل حرية الرأي والتعبير ولم يقرر لهما حدوداً واضحة ، كما أنه قد أفرد مادة تقرر حماية “حرية الإبداع” ولم يضع أي تعريف يحدد ماهية ذلك الإبداع الذي تلتزم الدولة بحمايته وحماية أصحابه.

وفي نفس الوقت سلب الدولة حق الرقابة علي الصحف والإعلام إلا في زمن الحرب ، وبذلك أكد مجدداً علي المنظور العلماني/الليبرالي للحريات.

وفي الفصل الرابع من الباب الثاني أكد الدستور مجدداً علي عدم جواز أن يقيد أي قانون “الحقوق والحريات بما يمس جوهرها” بما يرسخ ما تقدم ذكره

أما الباب الثالث فقد أخضع سلطة التشريع لحكم الأغلبية بما يناقض مفهوم الشوري المقيدة بأهل الحل والعقد تأكيداً لمفاهيم المساواة العلمانية

وأصّل الباب الثالث أيضاً لمبدأ تداول السلطة الذي هو من أهم مبادئ الديمقراطية والذي يضمن استمرارالنسق الإنساني متجسداً في حاكمية الأغلبية

أما الفصل الخامس فقد عطل واحداً من أهم جوانب الشريعة الإسلامية، فقد استقل بما يختص الأمن القومي والدفاع عن الشريعة وعلمائها وأهمل تماماً حقيقة أن الشريعة من أهم مقاصدها تقنين الأعمال العسكرية والحكم علي مآلاتها ، لاسيما أن تلك الأعمال تمس حياة المسلمين وأموالهم وأعراضهم ، فلم تتضمن عضوية مجلس الأمن القومي ومجلس الدفاع الوطني علماء الشريعة المختصين بدراسة قرارات الأعمال العسكرية وبيان حكم الشرع فيها

هذه هي أهم القضايا التي أراها كافية لنقد الدستور ومقاطعته ، بخلاف عدد من القضايا الأخري الفرعية التي ربما لا تتعلق بالشرع مباشرة ، فمواد الدستور متناقضة ، والمستقر منها يعكس النسق الفلسفي الإنساني الذي هو أساس العلمانية وحاكمية الديمقراطية التي هي آلتها السياسية


والله أعلي وأعلم ، والحمد لله رب العالمين

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

الفوضي الخلاقة في مصر : عام من اللاثورة (2)

تحدثنا في المقال السابق عن التوجه الأمريكي لتفعيل نموذج الفوضي الخلاقة في مصر مع وضوح الضعف الشعبي للتيارات الداعمة لسياسات الولايات المتحدة ، ومع ظهور آفاق متعددة للتأثير الإسلامي في السياسية المصرية تهدد المصالح الأربعة المقدسة التي تحكم علاقات أمريكا بمصر ، ووضحنا لماذا لجأت الولايات المتحدة لهذا الأنموذج ، وفي هذا المقال نعرض مدخلاً هاماً لفهم الاستراتيجيات الأمريكية في التعامل مع التيارات الإسلامية بعد 11 سبتمبر ، وهذا المدخل يشكل عاملاً بالغ الأهمية في التطرق بعد ذلك إلي ديناميكيات الفوضي الخلاقة كما تصنعها الولايات المتحدة في مصر للوصول إلي نظام سياسي يحظي برضا شعبي “لابأس به” وفي نفس الوقت يحافظ علي المصالح الأربعة المقدسة للولايات المتحدة..

غلاف التقرير الصادر عن مؤسسة RAND الأمريكية المختصة في الدراسات والبحوث المتعلقة بالسياسة الخارجية الأمريكية

في عام 2004 صدر تقرير بعنوان “الإسلام المدني الديمقراطي : الشركاء والموارد والاستراتيجيات” للكاتبة شيريل بينارد Benard عن مؤسسة راند البحثية المتخصصة في تقديم المشورة ودعم اتخاذ القرار الأمريكي تجاه العالم الإسلامي [1] وهذا التقرير حمل خلاصة الفكر الأمريكي في مرحلة مابعد 11 سبتمبر حيث ظهر جلياً الخطر الإسلامي علي المصالح والأطماع التوسعية الأمريكية فكان من الضروري صرف الجهود لصياغة استراتيجية طويلة الأمد للتعامل مع الفكر الإسلامي الذي بدأ في الانتشار السريع مع القفزات الإعلامية المتتالية التي شهدها العالم آنذاك ، وتبرز أهمية هذا التقرير في الموضوع الذي نناقشه الآن من جهتين : الجهة الأولي إدراك واستيعاب الفهم الأمريكي للتيارات الإسلامية والفكر الإسلامي بشكل عام وكيفية تلقي صناع القرار الأمريكيين للخطاب الإسلامي والجهة الثانية تحليل الأحداث السياسية التي جرت في مصر خلال الشهور الماضية من خلال هذا الفهم ومن خلال الاستراتيجيات التي قدمها هذا التقرير لصناع القرار الأمريكيين والذين بدت قناعتهم بها واضحة للغاية خلال الأعوام السابقة. في السطور القليلة القادمة نستعرض ملخصاً لهذا التقرير وأهم الاستنتاجات الاستراتيجية التي جاءت به.

بدايةً يذكر التقرير السبب الرئيسي وراء المشكلة بين الغرب والإسلام في أطروحتين رئيسيتين:

  1. الغرب وعلي رأسه الولايات المتحدة ودول شمال وغرب أوروبا يريد انطلاقاً من تصوره عن المستقبل العالمي واستقرار التفوق الحضاري له أن يدمج الدول والمجتمعات الإسلامية في “الحضارة الغربية” بعناصرها المختلفة مثل القيم الإنسانية الغربية والنظم السياسية والاقتصادية التي أنشأها الغرب ، وكذلك الاندماج في المنظومة الصناعية العالمية التي تري دول الشرق والجنوب مصادراً للخامات ودول الغرب والشمال مصادراً للعلم والتقنية ، وبالتالي فإنه انطلاقاً من هذا فتري الولايات المتحدة في الإسلام أيدولوجية تشكل تحدياً أمام هذه الرؤية وطرق تحقيقها نظراً لأن تاريخ العلاقة بين الغرب والإسلام يحتوي علي العديد من الصراعات والصدامات التي عادةً ما جعلت الغرب يري الإسلام علي أنه أيدولوجية توسعية تسعي لفرض وبسط هيمنتها علي العالم
  2. هناك خلاف بين المسلمين أنفسهم حول طبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب ، وكذلك يوجد خلاف حول الموقف الواجب اتخاذه من الرؤية الغربية للعالم والأهداف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يفرضها المجتمع الدولي “بقيادة الولايات المتحدة” علي الدول والمجتمعات الإسلامية ، وهذا الخلاف في الحقيقة هو الذي يفرض علي الولايات المتحدة صياغة استراتيجيات متعددة للتعامل مع عناصره بشكل فعال.

ثم يشرع التقرير بعد ذلك في شرح الأطروحة الأولي بذكر العوامل الفكرية الإسلامية المقاومة للمشروع الغربي ، ثم ينتقل بعد ذلك لتحليل الفكر الإسلامي والتيارات الإسلامية وموقف كل منها من تلك العوامل ليخلص إلي استراتيجيات محددة للتعامل مع تلك التيارات بحيث يتم تحييد التأثير المعارض لها وجعم التأثير الموافق للمشروع الغربي ، وما يهمنا في هذا السياق التقسيم الذي يعرضه التقرير للتيارات الفكرية الإسلامية ، فهذا هو الذي ننطلق منه لتحليل الأحداث التي جرت علي الاحة الياسية المصرية خلال الأشهر القليلة الماضية ، فطبقاً لهذا التقرير تنقسم التيارات الإسلامية إلي أربعة أقسام:

  1. الأصوليون Fundamentalist : وهم الذين يرفضون القيم الثقافية الغربية المعاصرة ، ويريدون تأسيس دولة أو نظام سياسي سلطوي تكون الغلبة فيه للقيم الدينية والأخلاقية الإسلامية كما ينص عليها القرآن ونصوص السنة ، ولايمانعون في استخدام كل الوسائل التكنولوجية الحديثة لتحقيق ذلك الهدف. وهؤلاء الأصوليون عدائيون تجاه القيم الغربية والأمريكية بشكل خاص ويريدون تدمير قيم الحداثة الغربية.
  2. التقليديون Traditionalists : يريدون مجتمعاً محافظاً ومتشككون في قيم الحداثة والإبداع والتغيير ، وعلي الرغم من ذلك فالتقليديين عندهم رؤي أكثر اعتدالاً بكثير من الأصوليين تجاه القيم الغربية والحداثية علي اتساع الطيف الفكري لهذا التيار.
  3. الحداثيون Modernists : يريدون أن يجعلوا العالم الإسلامي جزءاً من المنظومة الحداثية العالمية ، وفي سبيل هذا يريدون إعادة صياغة الإسلام ككل ليصبح متوفقاً مع الحضارة الغربية ومتطلباتها. هذا التيار يوجد فيه عناصر تصفها العديد من المجتمعات الإسلامية بالتجديد والإبداع الفكري والأدبي
  4. العالمانيون Secularists : يتبنون رؤية مفادها أن العالم الإسلامي يجب عليه أن يفصل (الشريعة عن الدولة) كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية التي تفصل (الكنيسة عن الدولة) وعلي هذا فيريدون قصر (الدين) علي إطار الممارسات الفردية فقط. وهذا هو التيار الإسلامي الأقل حظاً ووجوداً ودعماً في العالم الإسلامي.

ثم يصيغ التقرير السياسات والاستراتيجيات التي يتوجب علي الولايات المتحدة اتخاذها حيال هذه التيارات المختلفة ، ونلخصها فيما يلي:

  • أولاً دعم الحداثيين ، وذلك عن طريق:
    • نشر انتاجهم الفكري والأدبي ودعمه
    • تشجيعهم للكتابة والإنتاج الفكري للشباب والشرائح الجماهيرية المختلفة
    • تقديم رؤاهم الحداثية في الإطار التعليمي والتربوي “الإسلامي”
    • إعطاؤهم منصات إعلامية ذات شعبية وجماهيرية
    • جعل آرائهم وأجوبتهم علي الأسئلة الإسلامية الأكثر أهمية متاحة للجماهير ومنافسة لآراء وأجوبة الأصوليين والتقليديين علي نفس الأسئلة والمتاحة من خلال العديد من دور النشر والمواقع والبرامج التلفزيونية
    • تصوير الحداثة والعلمانية علي أنها “بديل ثقافي” للأجيال الشابة من المسلمين المصابة بإحباط حضاري وشعور سلبي تجاه الإسلام
    • دعم الرؤي الحداثية التي تستلهم الجذور التاريخية والثقافية (الغير إسلامية) في البلاد المختلفة
    • المساعدة في تمويل وإنشاء منظمات مجتمع مدني تلعب دوراً في توفير فضاء تعليمي وتربوي للشباب ليتعلموا الفكر والممارسات السياسية الغربية والتعبير عن آرائهم الداعم لهذا الفكر وتلك الممارسات
  • ثانياً دعم التقليديين في مواجهة الأصوليين ، وذلك عن طريق:
    • نشر النقد “التقليدي” للفكر والممارسات “الأصولية” علي الجماهير من خلال وسائل الإعلام ، وتشجيع الخلافات الفكرية والسياسية بين التيارين
    • تشجيع التعاون بكافة صوره بين الحداثيين والتقليديين الذين يلتقون في نهاية الطيف الأيدولوجي لكل فريق منهما
    • القيام بتعليم وتدريب التقليديين -كلما كان ذلك متاحاً- بمهارات وأفكار وأطروحات لمقاومة الأصوليين وأفكارهم وخطابهم الذي أحياناً ما يجذب الشباب لعلوه وتفوقه الفكري الإسلامي
    • زيادة تواجد الحداثيين في المؤسات التعليمية التي تنتمي للتيار التقليدي
    • التفرقة بين العناصر المختلفة في الفكر التقليدي ، فعلي سبيل المثال يندرج الأحناف في آسيا الوسطي والوهابيين في الجزيرة العربية تحت التيار التقليدي ، لكن الفرق بينهما كبير ، فعلي هذه التفرقة يجب دعم هؤلاء الأحناف أكثر في مواجهة العناصر التقليدية الأخري كالوهابية
    • دعم انتشار وجماهيرية الفكر والتيار الصوفي بكل الأشكال والطرق
  • ثالثاً محاربة ومواجهة الأصوليين ، وذلك عن طريق:
    • تحدي تفسيرهم للإسلام ونصوصه وكشف -وافتعال إن تطلب الأمر- أي تناقضات في ذلك التفسير
    • كشف الصلات بينهم وبين الجماعات والمجموعات التي تصنفها الولايات المتحدة والغرب علي أنها جماعات ومجموعات إرهابية
    • نشر العواقب الأمنية والعقابية لتصرفاتهم وفكرهم
    • تكوين صورة إعلامية متكاملة مفادها أن هؤلاء الأصوليون غير قادرين علي حكم بلادهم وتحقيق تطور اقتصادي وصناعي حقيقي بتلك البلاد
    • توجيه تلك الرسائل السابقة إلي مجموعات جماهيرية بعينها مثل : الشباب – المجتمعات التقليدية – النساء – الأقليات الإسلامية في الغرب
    • التجنب التام لرم أي صورة “بطولية” للأصوليين حتي ولو علي سبيل “الأبطال الأشرار” بل يجب تصويرهم إعلامياً دائماً علي أنهم “مشتتين فكرياً – جبناء – ووضيعين”
    • تشجيع الصحفيين والإعلاميين علي كتابة تقارير صحفية وإعلامية تصف الفساد المالي والأخلاقي في دوائر الأصوليين ومجموعاتهم
    • تشجيع بعض الفرق “الأصولية” الأقل خطراً ومحاولة توجيههم للفكر التقليدي
  • رابعاً دعم وتقوية بعض العناصر العلمانية المختارة ، وذلك عن طريق:
    • اتخاذ الأصوليين كعدو مشترك بما يمنع احتمالية الاتحاد أو التعاون بين الأصوليين وبين بعض التيارات العلمانية في مواجهة النفوذ الغربي والأمريكي بشكل خاص علي أسس مثل القومية العربية أو الفكر اليساري
    • دعم فكرة أن الشريعة والدولة يمكن الفصل بينهما في الإسلام كما هو الحال في المسيحية وهذا لا يهدد الإيمان الإسلامي بأي حال.

التقرير في مجمله يضع ما يسميه الغربيون بـ (القيم الفكرية للحضارة الغربية) في مواجهة مع (نصوص القرآن والسنة) كما يفهمها هؤلاء الذين أطلق عليهم التقرير “الأصوليون” ويدعو التقرير إلي دعم المجموعات التي تعمل علي صياغة فهم جديد وحداثي لهذه النصوص يخالف الفهم الأصولي لها ، وهذه المجموعات هي كل التيارات الإسلامية الـ(غير أصولية) والتي كشف التقرير العديد من صفاتها وخصائصها ، والتقرير يطرح ؤالاً هاماً علي العقل الإسلامي ألا وهو : ماهي المقاييس أو المعايير التي يحدد من خلالها صناع القرار الأمريكيون “نوع” تيار إسلامي ما بالنسبة للتقسيم السابق ؟

يقدم وصف كل تيار من خلال التقسيم الوارد في التقرير أهم جزء من الإجابة علي هذا السؤال ، فالمنطق يقول أن تصنيف أي تيار إسلامي طبقاً للتقسيم الوارد سيكون من خلال الخطاب الإعلامي والأدبيات التنظيرية لهذا التيار ، فالتيار الذي يتبني فكراً معارضاً للهيمنة السياسية الغربية ومطالباً بتطبيق الإسلام كما كان مطبقاً في عهد الخلافة الراشدة سيكون خطاباً يصنف أصحابه كأصوليين ، أما إذا كان الخطاب لا يتطرق إلي هذه المواضيع ويكتفي بمطالبة المسلمين بالمحافظة علي تعاليم دينهم -مع الوضع في الاعتبار الطيف الواسع لهذه التعاليم- سيصنف أصحابه كتقليديين ، بينما سيقع المطالبون بـ(تحديث) الإسلام وتطويره حتي يتناسب مع منظومة القيم الغربية -حتي وإن كان هذا مستتراً بستار الاجتهاد- في خانة الحداثيين ، أما العلمانيون فلهم سمة واضحة للغاية وهي المطالبة بالتخلي عن الإطار القانوني والتشريعي والاجتماعي للشريعة الإسلامية والاكتفاء بالعبادات الفردية اللازمة ، القضية الكبري هي في تنزيل/تطبيق هذه المعايير علي التيارات الإسلامية في الدول العربية والإسلامية المختلفة ، وما يهمنا في هذا السياق هو تطبيق هذه المعايير علي الطيف الإسلامي في مصر حتي يمكننا فهم التأثير الأمريكي في السياسية المصرية عن طريق أنموذج الفوضي الخلاقة التي بات من الواضح أن التيارات الإسلامية تلعب -بإدراك أو بغير إدراك- دوراً رئيسياً فيها

للحديث بقية إن شاء الله

المراجع

[1] Cheryl Benard (2004) Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies, RAND Corporation. URL: http://www.rand.org/pubs/monograph_reports/MR1716.html

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , ,

اَلْدَّوْلـَـةُ اَلْمَـدَنِيّةُ وَالْإِسـْلَامُ

الكتاب متاح في كافة فروع دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة في القاهرة والمحافظات وذلك بدئاً من يوم الإثنين 21 نوفمبر

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , ,

العقل العربي المعاصر وإشكالية النمطية التغريبية

بعد التغيرات الهائلة التي تجتاح العالم العربي أصبح من الضروري أن يتأمل المرء التحديات التي باتت تواجه العقل العربي المعاصر بوضوح شديد ، بعد أن كانت تلك التحديات تخفي علي الكثيرين نتيجة الاستسلام للنمطية التغريبية التي تصور الإنسان العربي التقليدي بشكل بعيد كل البعد عن قيم ومفردات التراث الحضاري الإسلامي ، وأصبح من الضروري أن نضع خارطة طريق نحو تجديد الفكر العربي المعاصر والتخلص من الأنماط الثقافية التغريبية التي أورثنا إياها مايزيد عن قرنٍ من الذل والقهر والتغريب الجبري لأمتنا.

1- تراثنا المجيد وقيم الحداثة الغربية….متي نحطم المرايا المقعرة ؟

من أهم الأنماط الفكرية التغريبية التي ميزت العقل العربي المعاصر منذ الحملات الصليبية الأخيرة علي بلادنا (القرن الثامن والتاسع عشر) هو النمط الذي يعتبر أن التراث الإسلامي العربي هو (عــار) ثقافي وتاريخي يجب السعي دائماً للتخلص منه والتنصل من قيمه بكافة الوسائل ، ويتجلي ذلك النمط الفكري بوضوح في النتاج الفكري للمستغربين الأوائل أمثال الطهطاوي ومصطفي مختار وعلي مبارك وغيرهم ، والسبب الكامن وراء هذا النمط الفكري هو إخضاع التراث الإسلامي للنسق الفلسفي للحداثة الأوروبية وعناصره المختلفة ، مثل المدنية و المساواة الإنسانية والتحررية (الليبرالية) وغيرها ، بينما تراثنا المجيد قائم علي نسق فلسفي مختلف تماماً عن قمامة الأوروبيين تلك ، فالنسق الفلسفي للحضارة الإسلامية مستمد من نصوص الوحيين المطهرة التي تضع خطوطاً فاصلة واضحة بين الخير والشر ، والجمال والقبح ، وتؤسس لمنظومة أخلاقية مطلقة قوامها أفعال وأوامر ونصائح خير البشر محمد صلي الله عليه وسلم ، بينما النسق الفلسفي للحداثة الأوروبية ليس فيه تلك الخطوط الفاصلة بين الخير والشر ، والأخلاق فيه نسبية وموضوعية ، والإنسان فيه هو محور الكون والعقل هو الوثن الذي يعبده الأوروبيون من دون الله تبارك وتعالي ، فلما أخضع تراثنا المجيد لعناصر نسق فلسفي مختلف عن ذلك النسق الذي تأسس عليه هذا التراث ، ومع التعظيم المطلق لنتاج الحداثة الأوروبية في أنفس هؤلاء المستغربين ، فلما حدث هذا صنع العقل العربي لنفسه مرايا مقعرة ينظر فيها دائماً إلي نفسه فيراها صغيرة ذليلة حقيرة ، فشعر هؤلاء المستغربين بالعار من تاريخهم وتراثهم ، وفاتهم أن ذلك التراث المستمد من نصوص الوحيين المقدسة المطهرة أقام أعظم حضارة في تاريخ البشرية قبل أن تظهر اللغة الإنجليزية أو الفرنسية إلي الوجود بقرون !

2- القيود الاجتماعية والقهر الإبداعي والفكري

أفرزت لنا النظرية القومية العربية في صورتها السياسية التي أخضعت الشعوب العربية لمزيج غير متجانس من الاشتراكية و التمييز العرقي قدراً هائلاً من القيود الاجتماعية الغريبة عن التراث الثقافي الإسلامي ، والتي تسببت في خلق محيط من القهر للقدرات الابداعية والفكرية للأجيال الشابة للأمة العربية ، فقد تزامن ظهور الفكر القومي وتجسده في نظريات سياسية مع ظهور انتشار الإعلام المسموع والمرئي في النصف الأول من القرن العشرين ، وبالطبع فقد صاحب ظهور هذه الوسائل الإعلامي انجراف المجتمع العربي خلف عوامل الإبهار التي يقدمها ذلك الإعلام ، فاستغلت القوي السياسية المدفوعة بالقومية انجراف المجتمعات العربية خلف ما تقدمه وسائل الإعلام لصنع واقع اجتماعي جديد يناسب ما ترومه تلك القوي السياسية من تطبيق للنظرية الاشتراكية والحكم الشمولي (الباطش) ، ومع تهميش دور الحركات الإصلاحية الإسلامية قهراً وعدواناً أصبح التراث الاجتماعي لبلادنا قلمة سائغة افترسها الفكر القومي المتشبع بالاشتراكية من جهة ، والمستسلم للتفوق الحضاري الغربي من جهة أخري ، فأصبحت فئة (الحرفيين وأصحاب الصنائع) هي فئة دونية بعد أن كانت من أكثر الفئات تأثيراً في مجتمعنا ، وأصبحت التجارة (مهنة من لامهنة له) بعد أن كانت من أهم مصادر الدخل للمجتمع العربي ومن أهم دوافع الانتاج ، واصبح النشئ والشباب يسعون إلي (وظيفة حكومية) وصاحب تلك الوظيفة أوهام كثيرة عن الاستقرار والدخل الثابت والحياة المريحة ، بينما الواقع أن الوظيفة هي قيد يضعه الحكام في رقبة الشعب ليملكوا قياده تماماً ، فمن جهة دخله مقيد ومحدد ، ومن جهة أخري خاضع لقانون وظيفي يزيد من خوفه وقهره الفكري والإبداعي ، ومن جهة ثالثة يفقد إحساسه بذاته وقيمته ومدي مساهمته في صنع مجتمع فيسهم إذلاله وقهره ، ومن جهة رابعة يصبح الإنتاج والموارد كلها في يد طغمة قليلة من اللصوص وقطاع الطرق ليصنعوا بمقدرات البلاد ما بدا لهم
ومن القيود الاجتماعية الأخري التي صنعتها حقبة القومية العربية ما يخص الزواج في المجتمعات العربية ، فبعد أن كان الزواج من أيسر الأمور أصبحت لوازمه وعاداته وتقاليده سبباً في ازدياد متوسط سن الزواج في كل مجتمعاتنا إلي حد بالغ الخطورة ، فضلاً عن ازدياد معدلات العنوسة والطلاق المبكر بما يهوي بنا الآن في أتون الفساد الأخلاقي بشكل متسارع ، وماحدث في حقيقة الأمر أنه تم استغلال نفس الأدوات الإعلامية لإرساء هذه الأنماط الاجتماعية الخاصة بالزواج ليصبح عاملاً آخر يمكن النظام الشمولي من إحكام القبضة علي المواطنين بجانب الوظيفة الحكومية ، فأصبح الشاب اليانع الذي يتفجر عقله بالطاقة الإبداعية وتموج روحه بقدرات خلاقة قد تمكنه من اجتياز الجبال وخوض المحيطات ، أصبح عبداً للنظام السياسي العربي وأكثر ما يرجوه وظيفة ذات راتب مجزي ليعمل بها سنوات عديدة حتي يتمكن من تخطي العقبات الاجتماعية التي تحول بينه وبين الزواج ، فقط ليعيش حياة آدمية عادية تتوفر بها المقومات اللازمة لحياة الإنسان…فتم بهذا تقييد قدراته وتفريغ عقله من أي مضمونٍ إبداعي قادر علي بناء ما تهدم من أعمدة الحضارة الإسلامية من جديد

3- من يحرر العقل العربي من النمطية التغريبية…؟

ومن يفعل هذا سوي الحركات الإصلاحية الإسلامية…؟ ومن يستطيع أن يحطم هذه الأنماط التي تحبس قدرات العقل العربي عن الانطلاق لإعادة بناء الحضارة الإسلامية سوي طلائع الإسلام في بلادنا…؟ ولكن يظل التحدي الأكبر أمام هذه التيارات الإصلاحية هو قدرتها علي التخلص من نوع آخر من النمطية الفكرية أصاب البنية التحتية للفكر الإسلامي المعاصر ، وهذه النمطية هي نمطية التحزب والانتماء الحركي التي نشأت عند مؤسسي التيارات الإسلامية ومنظروها كرد فعل للقمع الوحشي الذي مارسته الأنظمة القومية ضد الفكر الإسلامي وحامليه ، ومن خلال عقود طويلة من العمل الحزبي والحركي الإسلامي ورث الشباب المنتمي لهذه التيارات نسخ أكثر تطرفاً من النمطية الحزبية جعلتهم يحولون التيارات الإصلاحية الإسلامية من حركات إصلاح إلي أحزاب سياسية بالنظرة الغربية الضيقة ، وجعلت رسالة الإصلاح التي يفترض بهم حملها تجاه الأمة بأكملها تتقلص إلي أهداف محدودة للغاية تهدف لاستمرارية واستدامة حركتهم أو حزبهم السياسي ، فانعزلت الحركات الإسلامية في يومنا هذا عن الجموع الغفيرة من الجماهير…وأصبحت نهضة الأمة بأكملها مرهونة بقدرة الأجيال الجديدة من هذه الحركات علي التخلص من الميراث الحزبي المقيت وتخطي (العتبة الحزبية) للالتحام بجماهير الشعب وقيادتهم نحو الإصلاح الإسلامي المنشود الذي يبدأ بتخليص عقولهم من النمطية التغريبية التي أصبحت تحكم كل مظهر من مظاهر الحياة في الوطن العربي.

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

 
تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 326 متابعون آخرين

%d مدونون معجبون بهذه: