RSS

Category Archives: العلاقة بين اللغة والحضارة

قضية الإتقان !

الفارق المادي بين الشباب العربي و الشباب الغربي يمكن تلخيصه في “الإتقان” ! فبينما يتربى الشاب في أوروبا وأمريكا على الإتقان في كل شئ ، بدئاً من البيت و المدرسة إلى الشارع و المتحف و المصنع و الزرعة و المسرح و السينما ، يتربى الشاب العربي على الإساءة في نفس الأشياء !
الاثنان غارقان في الشهوات ، نعم صحيح ، لكن الشاب الغربي تضع له طبيعة الحياة و متطلباتها العملية قيود وقتية على هذه الشهوات فلا تجعله يستصحبها إلى أوقات العمل و التعليم ، الأوقات التي ينشغل فيها بالإتقان ! أما الشاب العربي فهذه الشهوات تمثل كل تفكيره و وعيه و واقعه ، ولا تمثل له قضية الإتقان أي أهمية في وعيه و تفكيره.

إن إصلاح المجتمعات العربية لا يمكن أن يتم بالاقتصار على احياء مفهوم التدين اللازم في نفوس الشباب ، وحثهم على التشبه المحض بالأجيال الأولى للأمة الإسلامية ! هناك حلقة مفقودة بين مفهوم التدين في هذه الصورة و مفهوم الإتقان المعاصر بشموليته ، هناك حلقة مفقودة بين الالتزام بالصلاة و الصوم و تجنب المحرمات و بين الشغف بالعلم و التعلم و الرغبة الحقيقية الأصلية في الإبداع ! هناك حلقة مفقودة بين مفاهيم الصدقة و الزكاة و الإحسان إلى الناس و الفقراء و بين إدراك ضرورة امتلاك أحدث أدوات الصناعة و فهم و تطبيق أحدث النظريات الاقتصادية و الإدارية ! هناك حلقة مفقودة بين التذكرة بالخصائص المتجاوزة للضمير المسلم (الحساب – الجنة – النار – الخلود) وبين مظاهر الحياة اليومية في الشارع و المكتب و المدرسة و المصنع ! هناك حلقة مفقودة بين دراسة الفقه و استيعاب أصوله ومذاهبه وبين إدراك فروض الكفايات المختلة في المجتمعات المسلمة و التي بسبب اختلالها يستعبدنا الغرب بكل مظاهر الحياة و الحضارة ! هناك حلقة مفقودة بين فهم التاريخ الإسلامي و إدراك أحكام السياسة الشرعية في زمن الخلافة وبين القدرة على التعامل مع الواقع العالمي الذي تحكمه الخلافة الصهيوأمريكية بالاقتصاد و العلم و الآلة العسكرية الجبارة !

إن انعدام الإتقان الذي نراه في مجتمعاتنا يظهر بوضوح في كل شرائح المجتمع ، المتدين و غير المتدين على حد سواء ، الغني و الفقير على حد سواء ، الموظف و التاجر على حد سواء ، المسئول الكبير و الموظف البسيط على حد سواء !

الخلل ليس في شخص و لا في طبقة ولا في مجموعة ، الخلل في العقول و المفاهيم و الوعي و الإدراك ، الخلل في الجو العام و المناخ الفكري الفاسد المُفسد !

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

ملاحظات علي الدستور

فيما يلي بعض الملاحظات عن الدستور الجديد ووجهة نظري في نقده ، كنت قد كتبتها علي تويتر ثم رأيت أن أجمعها وأرتبها هنا ، وهي تبدأ ببعض التعريفات والمفاهيم التي تؤسس لما سيأتي من نقد

أقول بعون الله أن العلمانية هي نسق فلسفي ينطلق من إنكار سلطة الخالق علي البشر ومن ثم هدم فكرة اتخاذ شرائع الأديان كأساس للنظم السياسية ، وإنكار سلطة الخالق علي البشر ينبع من فلسفة الإنسانية التي تدور حول تأليه الجنس البشري والإيمان بحتمية وصوله إلي سيادة الكون ، وعلي ذلك فإن العلمانية وفلسفة الإنسانية ترفضان تقييد حرية الفعل البشري تحت أي مسمي “إلهي” أو “ديني” ولا تعترفان سوي بالقيود المادية K التي يفترض بها أن تنظم السعي الإنساني لسيادة الكون والتحكم فيه ، ومن هنا تلتقي بالليبرالية التي تضع رغبات الإنسان في مقدمة مقومات الحضارة.

وفي هذا الإطار تأتي الديمقراطية كنظام سياسي يعكس أولاً سيادة البشر علي الكون ويوفر آليات لتقرير هذه القيود المادية وحماية رغبات الإنسان.

وتعكس مصطلحات “حكم الأغلبية” و “التشريع” و “حماية الحريات” الثلاثة مبادئ السابقة الذكر علي الترتيب ، ويأتي مبدأ المساواة الإنسانية كأحد لوازم الثلاثة أنساق: العلمانية ، فلسفة الإنسانية ، الديمقراطية، وهي تساوي بين كل أفراد الجنس البشري باستثناء بعض الفوارق المادية المصطنعة كالسن والوظيفة وما إلي ذلك.


إلي هنا انتهيت من تقرير المبادئ ، وأبدأ في نقد الدستور فأقول وبالله التوفيق أن الديباجة قد قررت مبادئ علمانية أساسية منها علي سبيل المثال وحدة الكفاح الإنساني ، والمساواة بين أهداف ذلك الكفاح لدي البشر كلهم ، والاعتراف بحاكمية الأغلبية ، وأهم عناصر فلسفة الإنسانية كالمساواة وقررت أهداف الكفاح الإنساني من وجهة النظر العلمانية ، وقررت بألفاظ مطلقة غير مقيدة “حماية الحريات” التي هي أهم عناصر الليبرالية.

ثم أتي الباب الأول ليؤكد علي هذه المبادئ ، فأكد علي المساواة المستمدة من فلسفة الإنسانية ، واتخاذ “حكم الأغلبية” ومن ثم “الديمقراطية” أساسين لنظام الحكم في الدولة ، وفي تجاهلٍ عجيب لأهم أزمة تعيشها الأمة الإسلامية اعترف الدستور بشريعة اليهود دون أي تفصيل للفرق بينها وبين الصهيونية مع إغفال حقيقة أن الأغلبية الساحقة من اليهود يدينون بالصهيونية ويتحاكمون للتلمود ، وكل ذلك بدون أي مبرر سياسي فاليهود في مصر عددهم 80 كل منهم عنده جنسية أخري !

ويفيض الباب الأول بالكثيرمن المصطلحات العلمانية/الليبرالية الشائكة بدون أي تفصيل أو توضيح لها مثل “المساواة” و “الحرية” و”الثقافة” بينما يخلو من أي بيان أو تقييد لمصادر التشريع الأخري التي تأتي بجانب “مبادئ الشريعة” ولا أي تفصيل لمعني وحدود “العدل” في ظل وجود مصادر أخري للتشريع ، ويختتم الباب الثاني بفصل المقومات الاقتصادية الذي يتجاهل تماماًواقع الاقتصاد العالمي الربوي ولايقدم أي تعريف لماهية “العدالة الاجتماعية” في إطار الواقع الاقتصادي العالمي والتحديات الاقتصادية التي تعيشها مصر.

أما الباب الثاني الذي يتحدث عن الحقوق والحريات فقد خلا تماماً من أي تعريف دقيق لمصطلح “الحرية الشخصية” وأصّل مجدداً للمساواة الإنسانية ، واختص في ذلك التأصيل بالتركيز علي المساواة الإنسانية أمام القانون ، وهذا مما يحتاج التوقف عنده والاستطراد فيه ، فالشريعة الإسلامية تمتلأ بأحكام مستنبطة من النصوص القطعية الثبوت والدلالة وغيرها من الإجماع تميز بين المسلمين وغيرهم في قضايا كثيرة ، منها علي سبيل المثال المنع من قبول شهادة الكافر ، وعدم المساواة في الدماء ، والمنع من توليه مناصب القضاء والولاية وغير ذلك كثير، فالتشديد علي التطبيق القانوني لمبدأ المساواة المستقي من فلسفة الإنسانية يمنع من تطبيق تلك الأحكام كلها ، وإن قيل مادة الشريعة تسمح بذلك أجيب علي ذلك بأن مادة الشريعة تسمح بوجود مصادر أخري للتشريع غيرها ، وبذلك فهي لا تمنع الجمع بين الشريعة وما يناقضها ، وهذا أحد أوجه التناقض في الدستور ، هذا بجانب أن مواد المساواة المستقاة من فلسفة الإنسانية مقررة في الديباجة التي اختتمت بالنص علي أن ما ورد بها “ثوابت” بخلاف الشريعة التي لم يأت لها ذكر في تلك الديباجة التي هي في حقيقتها “مبادئ فوق دستورية” وفي معظمها منبثقة من وثقة الأزهر المشؤومة.

أما الفصل الثاني من الباب الثاني فهو كارثيّ بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ! فقد كفل حرية الرأي والتعبير ولم يقرر لهما حدوداً واضحة ، كما أنه قد أفرد مادة تقرر حماية “حرية الإبداع” ولم يضع أي تعريف يحدد ماهية ذلك الإبداع الذي تلتزم الدولة بحمايته وحماية أصحابه.

وفي نفس الوقت سلب الدولة حق الرقابة علي الصحف والإعلام إلا في زمن الحرب ، وبذلك أكد مجدداً علي المنظور العلماني/الليبرالي للحريات.

وفي الفصل الرابع من الباب الثاني أكد الدستور مجدداً علي عدم جواز أن يقيد أي قانون “الحقوق والحريات بما يمس جوهرها” بما يرسخ ما تقدم ذكره

أما الباب الثالث فقد أخضع سلطة التشريع لحكم الأغلبية بما يناقض مفهوم الشوري المقيدة بأهل الحل والعقد تأكيداً لمفاهيم المساواة العلمانية

وأصّل الباب الثالث أيضاً لمبدأ تداول السلطة الذي هو من أهم مبادئ الديمقراطية والذي يضمن استمرارالنسق الإنساني متجسداً في حاكمية الأغلبية

أما الفصل الخامس فقد عطل واحداً من أهم جوانب الشريعة الإسلامية، فقد استقل بما يختص الأمن القومي والدفاع عن الشريعة وعلمائها وأهمل تماماً حقيقة أن الشريعة من أهم مقاصدها تقنين الأعمال العسكرية والحكم علي مآلاتها ، لاسيما أن تلك الأعمال تمس حياة المسلمين وأموالهم وأعراضهم ، فلم تتضمن عضوية مجلس الأمن القومي ومجلس الدفاع الوطني علماء الشريعة المختصين بدراسة قرارات الأعمال العسكرية وبيان حكم الشرع فيها

هذه هي أهم القضايا التي أراها كافية لنقد الدستور ومقاطعته ، بخلاف عدد من القضايا الأخري الفرعية التي ربما لا تتعلق بالشرع مباشرة ، فمواد الدستور متناقضة ، والمستقر منها يعكس النسق الفلسفي الإنساني الذي هو أساس العلمانية وحاكمية الديمقراطية التي هي آلتها السياسية


والله أعلي وأعلم ، والحمد لله رب العالمين

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

الفوضي الخلاقة في مصر : عام من اللاثورة (2)

تحدثنا في المقال السابق عن التوجه الأمريكي لتفعيل نموذج الفوضي الخلاقة في مصر مع وضوح الضعف الشعبي للتيارات الداعمة لسياسات الولايات المتحدة ، ومع ظهور آفاق متعددة للتأثير الإسلامي في السياسية المصرية تهدد المصالح الأربعة المقدسة التي تحكم علاقات أمريكا بمصر ، ووضحنا لماذا لجأت الولايات المتحدة لهذا الأنموذج ، وفي هذا المقال نعرض مدخلاً هاماً لفهم الاستراتيجيات الأمريكية في التعامل مع التيارات الإسلامية بعد 11 سبتمبر ، وهذا المدخل يشكل عاملاً بالغ الأهمية في التطرق بعد ذلك إلي ديناميكيات الفوضي الخلاقة كما تصنعها الولايات المتحدة في مصر للوصول إلي نظام سياسي يحظي برضا شعبي “لابأس به” وفي نفس الوقت يحافظ علي المصالح الأربعة المقدسة للولايات المتحدة..

غلاف التقرير الصادر عن مؤسسة RAND الأمريكية المختصة في الدراسات والبحوث المتعلقة بالسياسة الخارجية الأمريكية

في عام 2004 صدر تقرير بعنوان “الإسلام المدني الديمقراطي : الشركاء والموارد والاستراتيجيات” للكاتبة شيريل بينارد Benard عن مؤسسة راند البحثية المتخصصة في تقديم المشورة ودعم اتخاذ القرار الأمريكي تجاه العالم الإسلامي [1] وهذا التقرير حمل خلاصة الفكر الأمريكي في مرحلة مابعد 11 سبتمبر حيث ظهر جلياً الخطر الإسلامي علي المصالح والأطماع التوسعية الأمريكية فكان من الضروري صرف الجهود لصياغة استراتيجية طويلة الأمد للتعامل مع الفكر الإسلامي الذي بدأ في الانتشار السريع مع القفزات الإعلامية المتتالية التي شهدها العالم آنذاك ، وتبرز أهمية هذا التقرير في الموضوع الذي نناقشه الآن من جهتين : الجهة الأولي إدراك واستيعاب الفهم الأمريكي للتيارات الإسلامية والفكر الإسلامي بشكل عام وكيفية تلقي صناع القرار الأمريكيين للخطاب الإسلامي والجهة الثانية تحليل الأحداث السياسية التي جرت في مصر خلال الشهور الماضية من خلال هذا الفهم ومن خلال الاستراتيجيات التي قدمها هذا التقرير لصناع القرار الأمريكيين والذين بدت قناعتهم بها واضحة للغاية خلال الأعوام السابقة. في السطور القليلة القادمة نستعرض ملخصاً لهذا التقرير وأهم الاستنتاجات الاستراتيجية التي جاءت به.

بدايةً يذكر التقرير السبب الرئيسي وراء المشكلة بين الغرب والإسلام في أطروحتين رئيسيتين:

  1. الغرب وعلي رأسه الولايات المتحدة ودول شمال وغرب أوروبا يريد انطلاقاً من تصوره عن المستقبل العالمي واستقرار التفوق الحضاري له أن يدمج الدول والمجتمعات الإسلامية في “الحضارة الغربية” بعناصرها المختلفة مثل القيم الإنسانية الغربية والنظم السياسية والاقتصادية التي أنشأها الغرب ، وكذلك الاندماج في المنظومة الصناعية العالمية التي تري دول الشرق والجنوب مصادراً للخامات ودول الغرب والشمال مصادراً للعلم والتقنية ، وبالتالي فإنه انطلاقاً من هذا فتري الولايات المتحدة في الإسلام أيدولوجية تشكل تحدياً أمام هذه الرؤية وطرق تحقيقها نظراً لأن تاريخ العلاقة بين الغرب والإسلام يحتوي علي العديد من الصراعات والصدامات التي عادةً ما جعلت الغرب يري الإسلام علي أنه أيدولوجية توسعية تسعي لفرض وبسط هيمنتها علي العالم
  2. هناك خلاف بين المسلمين أنفسهم حول طبيعة العلاقة بين الإسلام والغرب ، وكذلك يوجد خلاف حول الموقف الواجب اتخاذه من الرؤية الغربية للعالم والأهداف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يفرضها المجتمع الدولي “بقيادة الولايات المتحدة” علي الدول والمجتمعات الإسلامية ، وهذا الخلاف في الحقيقة هو الذي يفرض علي الولايات المتحدة صياغة استراتيجيات متعددة للتعامل مع عناصره بشكل فعال.

ثم يشرع التقرير بعد ذلك في شرح الأطروحة الأولي بذكر العوامل الفكرية الإسلامية المقاومة للمشروع الغربي ، ثم ينتقل بعد ذلك لتحليل الفكر الإسلامي والتيارات الإسلامية وموقف كل منها من تلك العوامل ليخلص إلي استراتيجيات محددة للتعامل مع تلك التيارات بحيث يتم تحييد التأثير المعارض لها وجعم التأثير الموافق للمشروع الغربي ، وما يهمنا في هذا السياق التقسيم الذي يعرضه التقرير للتيارات الفكرية الإسلامية ، فهذا هو الذي ننطلق منه لتحليل الأحداث التي جرت علي الاحة الياسية المصرية خلال الأشهر القليلة الماضية ، فطبقاً لهذا التقرير تنقسم التيارات الإسلامية إلي أربعة أقسام:

  1. الأصوليون Fundamentalist : وهم الذين يرفضون القيم الثقافية الغربية المعاصرة ، ويريدون تأسيس دولة أو نظام سياسي سلطوي تكون الغلبة فيه للقيم الدينية والأخلاقية الإسلامية كما ينص عليها القرآن ونصوص السنة ، ولايمانعون في استخدام كل الوسائل التكنولوجية الحديثة لتحقيق ذلك الهدف. وهؤلاء الأصوليون عدائيون تجاه القيم الغربية والأمريكية بشكل خاص ويريدون تدمير قيم الحداثة الغربية.
  2. التقليديون Traditionalists : يريدون مجتمعاً محافظاً ومتشككون في قيم الحداثة والإبداع والتغيير ، وعلي الرغم من ذلك فالتقليديين عندهم رؤي أكثر اعتدالاً بكثير من الأصوليين تجاه القيم الغربية والحداثية علي اتساع الطيف الفكري لهذا التيار.
  3. الحداثيون Modernists : يريدون أن يجعلوا العالم الإسلامي جزءاً من المنظومة الحداثية العالمية ، وفي سبيل هذا يريدون إعادة صياغة الإسلام ككل ليصبح متوفقاً مع الحضارة الغربية ومتطلباتها. هذا التيار يوجد فيه عناصر تصفها العديد من المجتمعات الإسلامية بالتجديد والإبداع الفكري والأدبي
  4. العالمانيون Secularists : يتبنون رؤية مفادها أن العالم الإسلامي يجب عليه أن يفصل (الشريعة عن الدولة) كما هو الحال في الديمقراطيات الغربية التي تفصل (الكنيسة عن الدولة) وعلي هذا فيريدون قصر (الدين) علي إطار الممارسات الفردية فقط. وهذا هو التيار الإسلامي الأقل حظاً ووجوداً ودعماً في العالم الإسلامي.

ثم يصيغ التقرير السياسات والاستراتيجيات التي يتوجب علي الولايات المتحدة اتخاذها حيال هذه التيارات المختلفة ، ونلخصها فيما يلي:

  • أولاً دعم الحداثيين ، وذلك عن طريق:
    • نشر انتاجهم الفكري والأدبي ودعمه
    • تشجيعهم للكتابة والإنتاج الفكري للشباب والشرائح الجماهيرية المختلفة
    • تقديم رؤاهم الحداثية في الإطار التعليمي والتربوي “الإسلامي”
    • إعطاؤهم منصات إعلامية ذات شعبية وجماهيرية
    • جعل آرائهم وأجوبتهم علي الأسئلة الإسلامية الأكثر أهمية متاحة للجماهير ومنافسة لآراء وأجوبة الأصوليين والتقليديين علي نفس الأسئلة والمتاحة من خلال العديد من دور النشر والمواقع والبرامج التلفزيونية
    • تصوير الحداثة والعلمانية علي أنها “بديل ثقافي” للأجيال الشابة من المسلمين المصابة بإحباط حضاري وشعور سلبي تجاه الإسلام
    • دعم الرؤي الحداثية التي تستلهم الجذور التاريخية والثقافية (الغير إسلامية) في البلاد المختلفة
    • المساعدة في تمويل وإنشاء منظمات مجتمع مدني تلعب دوراً في توفير فضاء تعليمي وتربوي للشباب ليتعلموا الفكر والممارسات السياسية الغربية والتعبير عن آرائهم الداعم لهذا الفكر وتلك الممارسات
  • ثانياً دعم التقليديين في مواجهة الأصوليين ، وذلك عن طريق:
    • نشر النقد “التقليدي” للفكر والممارسات “الأصولية” علي الجماهير من خلال وسائل الإعلام ، وتشجيع الخلافات الفكرية والسياسية بين التيارين
    • تشجيع التعاون بكافة صوره بين الحداثيين والتقليديين الذين يلتقون في نهاية الطيف الأيدولوجي لكل فريق منهما
    • القيام بتعليم وتدريب التقليديين -كلما كان ذلك متاحاً- بمهارات وأفكار وأطروحات لمقاومة الأصوليين وأفكارهم وخطابهم الذي أحياناً ما يجذب الشباب لعلوه وتفوقه الفكري الإسلامي
    • زيادة تواجد الحداثيين في المؤسات التعليمية التي تنتمي للتيار التقليدي
    • التفرقة بين العناصر المختلفة في الفكر التقليدي ، فعلي سبيل المثال يندرج الأحناف في آسيا الوسطي والوهابيين في الجزيرة العربية تحت التيار التقليدي ، لكن الفرق بينهما كبير ، فعلي هذه التفرقة يجب دعم هؤلاء الأحناف أكثر في مواجهة العناصر التقليدية الأخري كالوهابية
    • دعم انتشار وجماهيرية الفكر والتيار الصوفي بكل الأشكال والطرق
  • ثالثاً محاربة ومواجهة الأصوليين ، وذلك عن طريق:
    • تحدي تفسيرهم للإسلام ونصوصه وكشف -وافتعال إن تطلب الأمر- أي تناقضات في ذلك التفسير
    • كشف الصلات بينهم وبين الجماعات والمجموعات التي تصنفها الولايات المتحدة والغرب علي أنها جماعات ومجموعات إرهابية
    • نشر العواقب الأمنية والعقابية لتصرفاتهم وفكرهم
    • تكوين صورة إعلامية متكاملة مفادها أن هؤلاء الأصوليون غير قادرين علي حكم بلادهم وتحقيق تطور اقتصادي وصناعي حقيقي بتلك البلاد
    • توجيه تلك الرسائل السابقة إلي مجموعات جماهيرية بعينها مثل : الشباب – المجتمعات التقليدية – النساء – الأقليات الإسلامية في الغرب
    • التجنب التام لرم أي صورة “بطولية” للأصوليين حتي ولو علي سبيل “الأبطال الأشرار” بل يجب تصويرهم إعلامياً دائماً علي أنهم “مشتتين فكرياً – جبناء – ووضيعين”
    • تشجيع الصحفيين والإعلاميين علي كتابة تقارير صحفية وإعلامية تصف الفساد المالي والأخلاقي في دوائر الأصوليين ومجموعاتهم
    • تشجيع بعض الفرق “الأصولية” الأقل خطراً ومحاولة توجيههم للفكر التقليدي
  • رابعاً دعم وتقوية بعض العناصر العلمانية المختارة ، وذلك عن طريق:
    • اتخاذ الأصوليين كعدو مشترك بما يمنع احتمالية الاتحاد أو التعاون بين الأصوليين وبين بعض التيارات العلمانية في مواجهة النفوذ الغربي والأمريكي بشكل خاص علي أسس مثل القومية العربية أو الفكر اليساري
    • دعم فكرة أن الشريعة والدولة يمكن الفصل بينهما في الإسلام كما هو الحال في المسيحية وهذا لا يهدد الإيمان الإسلامي بأي حال.

التقرير في مجمله يضع ما يسميه الغربيون بـ (القيم الفكرية للحضارة الغربية) في مواجهة مع (نصوص القرآن والسنة) كما يفهمها هؤلاء الذين أطلق عليهم التقرير “الأصوليون” ويدعو التقرير إلي دعم المجموعات التي تعمل علي صياغة فهم جديد وحداثي لهذه النصوص يخالف الفهم الأصولي لها ، وهذه المجموعات هي كل التيارات الإسلامية الـ(غير أصولية) والتي كشف التقرير العديد من صفاتها وخصائصها ، والتقرير يطرح ؤالاً هاماً علي العقل الإسلامي ألا وهو : ماهي المقاييس أو المعايير التي يحدد من خلالها صناع القرار الأمريكيون “نوع” تيار إسلامي ما بالنسبة للتقسيم السابق ؟

يقدم وصف كل تيار من خلال التقسيم الوارد في التقرير أهم جزء من الإجابة علي هذا السؤال ، فالمنطق يقول أن تصنيف أي تيار إسلامي طبقاً للتقسيم الوارد سيكون من خلال الخطاب الإعلامي والأدبيات التنظيرية لهذا التيار ، فالتيار الذي يتبني فكراً معارضاً للهيمنة السياسية الغربية ومطالباً بتطبيق الإسلام كما كان مطبقاً في عهد الخلافة الراشدة سيكون خطاباً يصنف أصحابه كأصوليين ، أما إذا كان الخطاب لا يتطرق إلي هذه المواضيع ويكتفي بمطالبة المسلمين بالمحافظة علي تعاليم دينهم -مع الوضع في الاعتبار الطيف الواسع لهذه التعاليم- سيصنف أصحابه كتقليديين ، بينما سيقع المطالبون بـ(تحديث) الإسلام وتطويره حتي يتناسب مع منظومة القيم الغربية -حتي وإن كان هذا مستتراً بستار الاجتهاد- في خانة الحداثيين ، أما العلمانيون فلهم سمة واضحة للغاية وهي المطالبة بالتخلي عن الإطار القانوني والتشريعي والاجتماعي للشريعة الإسلامية والاكتفاء بالعبادات الفردية اللازمة ، القضية الكبري هي في تنزيل/تطبيق هذه المعايير علي التيارات الإسلامية في الدول العربية والإسلامية المختلفة ، وما يهمنا في هذا السياق هو تطبيق هذه المعايير علي الطيف الإسلامي في مصر حتي يمكننا فهم التأثير الأمريكي في السياسية المصرية عن طريق أنموذج الفوضي الخلاقة التي بات من الواضح أن التيارات الإسلامية تلعب -بإدراك أو بغير إدراك- دوراً رئيسياً فيها

للحديث بقية إن شاء الله

المراجع

[1] Cheryl Benard (2004) Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies, RAND Corporation. URL: http://www.rand.org/pubs/monograph_reports/MR1716.html

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , ,

اَلْدَّوْلـَـةُ اَلْمَـدَنِيّةُ وَالْإِسـْلَامُ

الكتاب متاح في كافة فروع دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة في القاهرة والمحافظات وذلك بدئاً من يوم الإثنين 21 نوفمبر

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , ,

العقل العربي المعاصر وإشكالية النمطية التغريبية

بعد التغيرات الهائلة التي تجتاح العالم العربي أصبح من الضروري أن يتأمل المرء التحديات التي باتت تواجه العقل العربي المعاصر بوضوح شديد ، بعد أن كانت تلك التحديات تخفي علي الكثيرين نتيجة الاستسلام للنمطية التغريبية التي تصور الإنسان العربي التقليدي بشكل بعيد كل البعد عن قيم ومفردات التراث الحضاري الإسلامي ، وأصبح من الضروري أن نضع خارطة طريق نحو تجديد الفكر العربي المعاصر والتخلص من الأنماط الثقافية التغريبية التي أورثنا إياها مايزيد عن قرنٍ من الذل والقهر والتغريب الجبري لأمتنا.

1- تراثنا المجيد وقيم الحداثة الغربية….متي نحطم المرايا المقعرة ؟

من أهم الأنماط الفكرية التغريبية التي ميزت العقل العربي المعاصر منذ الحملات الصليبية الأخيرة علي بلادنا (القرن الثامن والتاسع عشر) هو النمط الذي يعتبر أن التراث الإسلامي العربي هو (عــار) ثقافي وتاريخي يجب السعي دائماً للتخلص منه والتنصل من قيمه بكافة الوسائل ، ويتجلي ذلك النمط الفكري بوضوح في النتاج الفكري للمستغربين الأوائل أمثال الطهطاوي ومصطفي مختار وعلي مبارك وغيرهم ، والسبب الكامن وراء هذا النمط الفكري هو إخضاع التراث الإسلامي للنسق الفلسفي للحداثة الأوروبية وعناصره المختلفة ، مثل المدنية و المساواة الإنسانية والتحررية (الليبرالية) وغيرها ، بينما تراثنا المجيد قائم علي نسق فلسفي مختلف تماماً عن قمامة الأوروبيين تلك ، فالنسق الفلسفي للحضارة الإسلامية مستمد من نصوص الوحيين المطهرة التي تضع خطوطاً فاصلة واضحة بين الخير والشر ، والجمال والقبح ، وتؤسس لمنظومة أخلاقية مطلقة قوامها أفعال وأوامر ونصائح خير البشر محمد صلي الله عليه وسلم ، بينما النسق الفلسفي للحداثة الأوروبية ليس فيه تلك الخطوط الفاصلة بين الخير والشر ، والأخلاق فيه نسبية وموضوعية ، والإنسان فيه هو محور الكون والعقل هو الوثن الذي يعبده الأوروبيون من دون الله تبارك وتعالي ، فلما أخضع تراثنا المجيد لعناصر نسق فلسفي مختلف عن ذلك النسق الذي تأسس عليه هذا التراث ، ومع التعظيم المطلق لنتاج الحداثة الأوروبية في أنفس هؤلاء المستغربين ، فلما حدث هذا صنع العقل العربي لنفسه مرايا مقعرة ينظر فيها دائماً إلي نفسه فيراها صغيرة ذليلة حقيرة ، فشعر هؤلاء المستغربين بالعار من تاريخهم وتراثهم ، وفاتهم أن ذلك التراث المستمد من نصوص الوحيين المقدسة المطهرة أقام أعظم حضارة في تاريخ البشرية قبل أن تظهر اللغة الإنجليزية أو الفرنسية إلي الوجود بقرون !

2- القيود الاجتماعية والقهر الإبداعي والفكري

أفرزت لنا النظرية القومية العربية في صورتها السياسية التي أخضعت الشعوب العربية لمزيج غير متجانس من الاشتراكية و التمييز العرقي قدراً هائلاً من القيود الاجتماعية الغريبة عن التراث الثقافي الإسلامي ، والتي تسببت في خلق محيط من القهر للقدرات الابداعية والفكرية للأجيال الشابة للأمة العربية ، فقد تزامن ظهور الفكر القومي وتجسده في نظريات سياسية مع ظهور انتشار الإعلام المسموع والمرئي في النصف الأول من القرن العشرين ، وبالطبع فقد صاحب ظهور هذه الوسائل الإعلامي انجراف المجتمع العربي خلف عوامل الإبهار التي يقدمها ذلك الإعلام ، فاستغلت القوي السياسية المدفوعة بالقومية انجراف المجتمعات العربية خلف ما تقدمه وسائل الإعلام لصنع واقع اجتماعي جديد يناسب ما ترومه تلك القوي السياسية من تطبيق للنظرية الاشتراكية والحكم الشمولي (الباطش) ، ومع تهميش دور الحركات الإصلاحية الإسلامية قهراً وعدواناً أصبح التراث الاجتماعي لبلادنا قلمة سائغة افترسها الفكر القومي المتشبع بالاشتراكية من جهة ، والمستسلم للتفوق الحضاري الغربي من جهة أخري ، فأصبحت فئة (الحرفيين وأصحاب الصنائع) هي فئة دونية بعد أن كانت من أكثر الفئات تأثيراً في مجتمعنا ، وأصبحت التجارة (مهنة من لامهنة له) بعد أن كانت من أهم مصادر الدخل للمجتمع العربي ومن أهم دوافع الانتاج ، واصبح النشئ والشباب يسعون إلي (وظيفة حكومية) وصاحب تلك الوظيفة أوهام كثيرة عن الاستقرار والدخل الثابت والحياة المريحة ، بينما الواقع أن الوظيفة هي قيد يضعه الحكام في رقبة الشعب ليملكوا قياده تماماً ، فمن جهة دخله مقيد ومحدد ، ومن جهة أخري خاضع لقانون وظيفي يزيد من خوفه وقهره الفكري والإبداعي ، ومن جهة ثالثة يفقد إحساسه بذاته وقيمته ومدي مساهمته في صنع مجتمع فيسهم إذلاله وقهره ، ومن جهة رابعة يصبح الإنتاج والموارد كلها في يد طغمة قليلة من اللصوص وقطاع الطرق ليصنعوا بمقدرات البلاد ما بدا لهم
ومن القيود الاجتماعية الأخري التي صنعتها حقبة القومية العربية ما يخص الزواج في المجتمعات العربية ، فبعد أن كان الزواج من أيسر الأمور أصبحت لوازمه وعاداته وتقاليده سبباً في ازدياد متوسط سن الزواج في كل مجتمعاتنا إلي حد بالغ الخطورة ، فضلاً عن ازدياد معدلات العنوسة والطلاق المبكر بما يهوي بنا الآن في أتون الفساد الأخلاقي بشكل متسارع ، وماحدث في حقيقة الأمر أنه تم استغلال نفس الأدوات الإعلامية لإرساء هذه الأنماط الاجتماعية الخاصة بالزواج ليصبح عاملاً آخر يمكن النظام الشمولي من إحكام القبضة علي المواطنين بجانب الوظيفة الحكومية ، فأصبح الشاب اليانع الذي يتفجر عقله بالطاقة الإبداعية وتموج روحه بقدرات خلاقة قد تمكنه من اجتياز الجبال وخوض المحيطات ، أصبح عبداً للنظام السياسي العربي وأكثر ما يرجوه وظيفة ذات راتب مجزي ليعمل بها سنوات عديدة حتي يتمكن من تخطي العقبات الاجتماعية التي تحول بينه وبين الزواج ، فقط ليعيش حياة آدمية عادية تتوفر بها المقومات اللازمة لحياة الإنسان…فتم بهذا تقييد قدراته وتفريغ عقله من أي مضمونٍ إبداعي قادر علي بناء ما تهدم من أعمدة الحضارة الإسلامية من جديد

3- من يحرر العقل العربي من النمطية التغريبية…؟

ومن يفعل هذا سوي الحركات الإصلاحية الإسلامية…؟ ومن يستطيع أن يحطم هذه الأنماط التي تحبس قدرات العقل العربي عن الانطلاق لإعادة بناء الحضارة الإسلامية سوي طلائع الإسلام في بلادنا…؟ ولكن يظل التحدي الأكبر أمام هذه التيارات الإصلاحية هو قدرتها علي التخلص من نوع آخر من النمطية الفكرية أصاب البنية التحتية للفكر الإسلامي المعاصر ، وهذه النمطية هي نمطية التحزب والانتماء الحركي التي نشأت عند مؤسسي التيارات الإسلامية ومنظروها كرد فعل للقمع الوحشي الذي مارسته الأنظمة القومية ضد الفكر الإسلامي وحامليه ، ومن خلال عقود طويلة من العمل الحزبي والحركي الإسلامي ورث الشباب المنتمي لهذه التيارات نسخ أكثر تطرفاً من النمطية الحزبية جعلتهم يحولون التيارات الإصلاحية الإسلامية من حركات إصلاح إلي أحزاب سياسية بالنظرة الغربية الضيقة ، وجعلت رسالة الإصلاح التي يفترض بهم حملها تجاه الأمة بأكملها تتقلص إلي أهداف محدودة للغاية تهدف لاستمرارية واستدامة حركتهم أو حزبهم السياسي ، فانعزلت الحركات الإسلامية في يومنا هذا عن الجموع الغفيرة من الجماهير…وأصبحت نهضة الأمة بأكملها مرهونة بقدرة الأجيال الجديدة من هذه الحركات علي التخلص من الميراث الحزبي المقيت وتخطي (العتبة الحزبية) للالتحام بجماهير الشعب وقيادتهم نحو الإصلاح الإسلامي المنشود الذي يبدأ بتخليص عقولهم من النمطية التغريبية التي أصبحت تحكم كل مظهر من مظاهر الحياة في الوطن العربي.

 

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

الإِسْلامِيّونْ…وجَبَهَةُ الإِصْلاحِ الحَقِيقِيّةِ

في عام 2009 نشرت صحيفة المصريون الموقّرة ملخصاً لخطاب السفيرة الأمريكية السابقة مارجريت سكوبي في حفل بمناسبة مرور ثلاثين عاما على إنشاء المركز الثقافي الأمريكي بالإسكندرية ، كشفت فيه النقاب عن عزم الولايات المتحدة علي إنشاء : “العشرات من المدارس النموذجية بالقاهرة والإسكندرية بمناهج وإدارة أمريكية كاملتين بتمويل من المعونة الأمريكية، وبالاتفاق مع وزارة التربية والتعليم ، وقالت إن الدراسة بتلك المدارس ستكون بالمجان، وتخصص للطلاب المتميزين ممن تنطبق عليهم الشروط الأمريكية، وأوضحت أن الهدف من ذلك هو تخريج مئات الطلاب سنويا ليكونوا نواة لقاعدة طلابية متوافقة مع أحدث الأساليب المتبعة بالولايات المتحدة” [1] ، وقبل ثلاثة شهور ، وأمام الكونجرس الأمريكي أدلي عدة خبراء دوليون في شئون الحركات الإسلامية المصرية بشهادتهم بشأن تطور موقف تلك الحركات علي الساحة السياسية المصرية بعد الثورة ، وفي التوصيات الملحقة بتلك الشهادات أوصي الأستاذ الدكتور أحمد صبحي منصور رئيس المركز العالمي للقرآن الكريم والأستاذ السابق بجامعة الأزهر الإدراة الأمريكية بالتدخل المباشر في تغيير أنظمة التعليم المصرية بما يشمل الأزهر ومؤسسات التعليم العالي حتي يمكن للولايات المتحدة أن ترقي صورتها في عقول المصريين ، وحتي يمكنها الفوز في الحرب الفكرية ضد ما أسماهم بــ”السلفيين الراديكاليين” ، وحتي يمكن للإدارة الأمريكية أيضاً أن تضمن تقبل الشعب المصري للديمقراطية والليبرالية بأنموذجيها الأمريكيين [2].

وبعيداً عن الولايات المتحدة التي تشكل أهم وأخطر عائق أمام المشروع الإسلامي في مصر ، فإن الواقع المصري يبرز لنا ظاهرتين في غاية الأهمية والخطورة أيضاً ، الظاهرة الأولي هي الغياب الكامل لأي منظومة تعليمية متقدمة ومتطورة وعاية الجودة ذات مرجعية إسلامية بل إن المنظومات الأعلي جودة والأكثر تطوراً وتقدماً هي منظومات غربية إما أمريكية علمانية أو فرنسية نصرانية مثل مدارس الراهبات المنتشرة في المدن المصرية ، أما الظاهرة الثانية فهي حالة فقدان الهوية الثقافية والحضارية التي يعاني منها الإنسان المصري علي تنوع بيئته وطبقته الاجتماعية والتي نجحت الأنظمة المصرية منذ انقلاب يوليو 1952 في تثبيتها في وعي وعقل الإنسان المصري بشتي الصور والأشكال ، فمبادئ القومية العربية قد استبدلت بمبادئ الإنتماء للأمة الإسلامية ، والحطام الذي يسمي بـ(الثقافة المصرية) قد استبدل بالثقافة الإسلامية المستمدة من السنة النبوية المطهرة وتراث الأجيال الأولي لهذه الأمة ، وبالتالي فأصبح الإنسان المصري رهين ثلاثة محابس : الأول هو الحدود الجغرافية التي رسمتها له قوي الاحتلال الغربي بدئاً من اتفاقية سايكس-بيكو وانتهاءاً باتفاقية الجلاء المشئومة ، والثاني هو النظام القومي الوطني الذي أسسه عبد الناصر علي جماجم الدعاة والمفكرين الإسلاميين اقتداءاً بتجارب الثورات الشيوعية والاشتراكية آنذاك ، والثالث هو نظام التعليم الغربي القائم علي المبادئ المهلكة للمادية Materialism والحداثة Modernity والذي أصبح هو (التعليم العام) إلي يومنا هذا ، حتي الأزهر الشريف تم اعتقاله في هذا المحبس أيضاً بتشويه نظام الدراسة فيه وطمس الهوية الإسلامية لمناهجهه التعليمية إلي حدٍ كبير.

إذن فالنظر إلي هاتين الظاهرتين بعين الإعتبار سيرينا أن الأجيال الناشئة في مصر الآن ليس أمامها نظام تعليم عالي الجودة ومتطور إلا كان محفوفاً بالثقافة التغريبية التي تسلخ التلاميذ في هذه السن المبكرة مما قد تبقي من هويتهم الإسلامية والتي ربما يتلقاها بعضهم علي يد أبويه إن كانا ممن يعرف بعض ملامح تلك الهوية الضائعة ، أما الجيل الفاعل في مصر الآن وهو جيل الشباب فقد تم تغريب أغلبه من خلال ما ذكرنا من عناصر ثقافية مزيفة أفرزت وحشةً مظلمةً بين أبناء هذا الجيل وبين أمتهم الإسلامية العالمية ، بما تحمله من مشاكل وهموم وأزمات ، وفي نفس الوقت تقف الولايات المتحدة موقفاً متربصاً لا تري من خلاله سوي مصالحها التي ترتكز علي أربعة محاور كما ذكرت في مقالي السباق [3] ، وأهم هذه المحاور يتطلب استمرار عملية التغريب الثقافي والفكري الحادثة في مصر وذلك من خلال عدة مسارات أهمها التعليم ، ومنظمات المجتمع المدني ، والفنون والإعلام.

أين الإسلاميون من كل هذا…؟

 منذ عهد عبد الناصر إلي نهاية عهد مبارك مرَّ الإسلاميون بعدة محن وانفراجات ، وهبط منحني الدعوة الإسلامية إلي مستويات تكاد تقترب من الصفر ، وصعد وارتفع إلي مستويات تكاد تقترب من القمة ، لكن خلال كل تلك العقود كان محظوراً علي أصحاب المشروع الإسلامي باختلاف أطيافهم ومسميات جماعاتهم أن ينشئوا منظومات تعليمية خاصة بهم ترتكز علي مبادئ الشريعة الإسلامية لبناء إنسان مسلم مدرك لعمقه الثقافي الحضاري وقادر علي مواجهة التحديات التي تفرضها مكتسبات الحضارة الإنسانية الحديثة سواءاً كانت تلك التحديات علمية أو اقتصادية أو أدبية ثقافية. وهذا الحظر كان يرجع لإدراك أهمية التعليم في السيطرة علي الجماهير سواءاً من النظام الشمولي اليساري لعبد الناصر ، أو من النظام المدعوم أمريكياً وصهيونياً الذي أسسه السادات باتفاقية كامب ديفيد وخلفه مبارك وعصابته علي رأس ذلك النظام فيما بعد ، فتوصيات المركز الثقافي الأمريكي بالقاهرة والتي كانت تعتبر من أهم المراجع لصياغة سياسة مصر إبان عهد المخلوع كانت لا تخلو من التنبيه علي تطوير التعليم بما يتوافق مع الأهداف الأمريكية في مصر ، وأحياناً كانت تطلب من الحكومة المصرية هدم ما (تعتقد) الولايات المتحدة أنه مدارس إسلامية ، وكانت جماعة الإخوان المسلمين هي المستهدف الأول من تلك المطالب لاسيما وأن التيار السلفي كان محظوراً عليه علي الإطلاق إقامة مثل هذه المدارس ، وحادثة مدرسة الجزيرة بالإسكندرية لا تزال ماثلة في الأذهان.

وبالتالي فإن سؤال الإسلاميين عن دورهم في مواجهة الغزو التغريبي من خلال توفير أنظمة تعليمية عالية الجودة وعلي قدر منافس من التقدم والتطور لأنظمة التعليم التغريبية لن يكون مجدياً علي الإطلاق ، إذ أن خلال الستين عاماً الأخيرة كانت كل التيارات الإسلامية ليس لها منافذ لنشر أفكارها سوي من خلال المساجد والقليل من الجمعيات الخيرية وعلي الرغم من فعالية العمل من خلال تلك المنافذ إلا أن الفكر الذي ينشر بهذه الطريقة لا ينجح في بناء الجيل المطلوب للنهضة الإسلامية الحقيقية والتي يعتقد البعض أن بوادرها قد بدأت تلوح في الأفق القريب الآن ، وذلك لعدة أسباب ، من أهمها: 1- أن التعليم الأساسي والمتوسط هو أهم مرحلة يتم فيها بناء الهوية الإسلامية للإنسان ، وفي أغلب الأحيان يصعب مخاطبة النشئ في هذا السن من خلال المساجد ووالدروس والخطب الوعظية ، حيث يكتسب الطفل أغلب العناصر المكونة لهويته الثقافية من المدرسة ثم البيت 2- أن المواد المتاحة للخطاب الفكري من خلال المساجد لا تعدو أن تكون مواد دينية بحتة ربما تعلقت بالعقيدة أو الفقه أو تحفيظ القرآن ، بينما المواد الثقافية مثل التاريخ الحديث للأمة الإسلامية ونقد الفكر الغربي بمختلف صوره والتي تستطيع بالفعل مواجهة الخطاب الفكري التغريبي السائد في المجتمع من غير الممكن توجيهها من خلال المساجد ، لا سيما للنشئ والأطفال 3- انعدام المنهجية التربوية في الخطاب الفكري في المسجد ، وذلك لأن القائمين علي وضعه وتدريسه وتقييمه من غير المتخصصين في تقنيات التربية وعلومها بل هم في الأغلب من الدعاة الدينيين والشباب المتحمس لنشر علوم الدين والفقه وتحفيظ القرآن ، وغياب المنهجية التربوية يجعل تأثير الخطاب الفكري في المسجد يتطاير بسهولة بمجرد احتكاك المتلقي بمناهج فكري قائم علي أسس تربوية وتلقينية صحيحة كذلك الذي يقدم من خلال الإعلام الحكومي والخاص وكالموجود في المدارس الغربية المنتسرة في مجتمعاتنا والتي يأتي جزء غير صغير من مناهجها وطرق التربية والتدريس فيها من دزل غربية كأمريكا وفرنسا وانكلترا.

و بعد انهيار النظام الطاغوتي منذ ستة اشهر تقريباً تغير هذا الواقع تماماً ، فقد أصبحت الفرصة متاحة تماماً أمام التيارات الإسلامية – بكافة أطيافها – للجهاد في جبهة الإصلاح الحقيقية ، وهي جبهة إيجاد منظومات تعليمية عالية الجودة وبالغة التقدم والتطور ذات أسس ثقافية وفكرية إسلامية ، والتي يفترض بها أن تهدف إلي : 1- توفير مدارس أهلية متميزة لأبناء الدعوة الإسلامية ليحظوا ببناء ثقافي إسلامي أفضل مما حظي به الجيل الحالي في الدعوة وبالتالي يحدث تطور نوعي في وسائل تحقيق المشروع الإسلامي في المستقبل القريب 2- مقاومة المد التغربي في التعليم الخاص ، والذي يلجأ إليه العامة – في حالة قدرتهم علي تكاليفه – ابتغاءاً للجودة المتوفرة فيه والتقدم العلمي الغربي الذي سيتيح لأبنائهم معيشة أفضل في المستقبل 3- مقاومة الفكر التربوي والتعليمي والإعلامي التغريبي المنتشر في المجتمع والذي يتهم الإسلام – والإسلاميين علي حدٍ سواء – بالتخلف العلمي و العجز عن مواكبة العصر والتقدم والإلمام بمكتسبات الحضارة الإنسانية المعاصرة ، ودحض ذلك الزاعم عن طريق ضرب أمثلة حية بمنظومات تعليمية فائقة الجودة وبالغة التقدم والتطور مبنية علي أسس ثقافية وفكرية إسلامية مستمدة من الكتاب والسنة النبوية المطهرة والتراث النقي لهذه الأمة.

لكن ما رأيناه من التيارات الإسلامية – وأخص بالنقد الدعوة السلفية لأن قادتها كانوا من أكثر المفكرين الذين أصلوا لأهمية هذه الجبهة في الصراع لإعادة بناء الحضارة الإسلامية – أن خلال الستة أشهر التي تلت سقوط النظام قد تم تأسيس حزب تابع للإخوان المسلمين وثلاثة أحزاب تابعة للدعوة السلفية باختلاف أطيافها…ولم يتم تأسيس مدرسة نموذجية مثالية إسلامية واحدة…! ولم يتم تأسيس وإطلاق مشروع قومي لإنشاء مدرسة أهلية واحدة علي الأقل بكل محافظة توفر نظاماً تربوياً وتعليمياً علي قدر فائق من الجودة منصهراً مع مناهج ثقافية إسلامية تعيد بناء الثقافة الإسلامية المحطمة عند أبنائنا…! ومن خلال مئات البرامج التلفازية التي تقدم علي كل القنوات الإسلامية لم نسمع أحداً يتحدث عن بناء مشروعٍ تعليمي إسلامي متقدم يقود أبناء الدعوة الإسلامية لتحقيق ما عجز آبائهم عن تحقيقه…!

بالطبع فإن الأولويات السياسية التي فرضت نفسها علي كل التيارات الإسلامية يمكن تفهمها واستيعابها ، لكن ما لايمكن تفهمه ولا استيعابه هو الغياب الكلي لأهم أولويات المشروع الإسلامي المصري ! وما لا يمكن تفهمه ولا استيعابه أيضاً هو الاستغراق الكامل لكل أجنحة التيارات الإسلامية – والدعوة السلفية خصوصاً – في الأنشطة السياسية وما يتعلق بها ، بما أفرز لنا ثلاثة أحزاب سياسية – خاضعة لقانون الأحزاب بطبيعة الحال ومع ذلك أطلق عليها أنها (ذات مرجعية سلفية !!) – نظمت مؤخراً بالتعاون مع معظم مشايخ التيار السلفي تظاهرة مليونية ضخمة للاعتراض علي (احتمال) قيام الحكومة بوضع مبادئ حاكمة للدستور – وبعيداً عن الإجابة المستحيلة عن سؤال (لماذا ثلاثة أحزاب وليس حزباً واحداً طالما كان كل منها ذو مرجعية سلفية ؟) فإننا في نفس الوقت لم نر أو نسمع عن أي حملة من هذه الأحزاب أو هؤلاء المشايخ (الداعمين للأحزاب) لجمع تبرعات أو طرح أسهم من خلال اكتتاب عام لإطلاق أول مؤسسة تعليمية إسلامية تقوم بأداء فرض الكفاية عن المسلمين ، والنضال علي جبهة التعليم ضد التغريبيين وضد مخططات الولايات المتحدة للمزيد من الإفساد في حياتنا التعليمية والتربوية والثقافية !!

إن من يظن أن وصول الإسلاميين إلي سدة الحكم سواءاً بأغلبية برلمانية أو كرسي الرئاسة أو كليهما معاً سوف يجعل تطبيق خطة الإصلاح الإسلامية التي لاتزال حلماً يراود الإسلاميين أمراً متاحاً وممكناً ، إن من يظن هذا فقد جانبه الصواب جملةً وموضوعاً. إن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الغربي لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام سقوط أهم دولة إسلامية وعربية في أيدي التيارات الإسلامية التي يدركون جيداً مدي خطورتها علي النظام العالمي الذي جاهدوا مئات السنين لإرسائه ، ومن ثم فإن الإسلاميين سيتعرضون لمحن كبيرة في حالة اصرارهم علي الإصلاح من خلال قمة الهرم السياسي والاجتماعي فقط ، وسيحتاجون للدعم الشعبي (الفكري وليس العاطفي) لمواجهة مثل هذه المحن وما سيصاحبها من تحديات اقتصادية جمة [3] ، فكيف سيتمكن الإسلاميون من الحصول علي هذا الدعم الشعبي مع غياب جيل مؤهل ثقافياً وإسلامياً لاستيعاب مبررات الإسلاميين لخوض مثل هذه المحن ومواجهة مثل هذه التحديات ؟؟ كيف سيقنع الإسلاميون جماهير الشعب المصري بواقعه الثقافي والديني الحالي بتحمل عقوبات دولية اقتصادية – قد تتسبب في أزمات غذائية وصحية مخيفة – محتملة للغاية في حالة وصول التيار الإسلامي لسدة الحكم ؟ كيف سيقوم الإسلاميون في حال وصولهم لسدة الحكم في المستقبل القريب بإصلاح منظومة التعليم الحكومية المهترئة والتي تم تدميرها وتشويهها علي مدار الستة عقود الأخيرة ، مع غياب تعليم أهلي فعال يفي باحتياجات الإسلاميين أنفسهم أثناء الوقت الذي سيتطلبه إصلاح تلك المنظومة الحكومية المتحللة…؟ هذه الأسئلة موجهة بشكل رئيسي إلي شيوخ التيار السلفي الذين كانوا يناضلون في سبيل إصلاح (قاعدة الهرم) طوال الأربعة عقود الأخيرة ، والذين تحولوا بالكلية إلي إصلاح (قمة الهرم) وأهملوا (قاعدته) كلياً بعد أن أصبحت جاهزة تماماً للإصلاح…!

المراجع

1- ” لتخريج أجيال متأثرة بالأسلوب الأمريكي.. “سكوبي” تعلن إنشاء مدارس أمريكية بالقاهرة والإسكندرية الدراسة فيها بالمجان” – صحيفة المصريون بتاريخ 21-10-2009 ، بقلم أحمد حسن بكر

2- “خبراء يدلون بشهاداتهم أمام الكونغرس الأمريكي عن الإخوان المسلمين” تقرير منشور بمركز المسبار للدراسات والبحوث ، بتاريخ 14-06-2011 – http://www.almesbar.net/index.php?option=com_k2&view=item&id=191

3- خيارات الإسلاميين أمام مستقبل العلاقات المصرية – الأمريكية – صحيفة المصريون بتاريخ 07-08-2011 بقلم د. خالد صقر ، http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=72566

 نشر هذا المقال في صحيفة المصريون بتاريخ 16-08-2011

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

قراءةٌ فِي التحليلاتِ الغربيّة للتّوجُّهات الإسلامية للثّورةِ المصريـّة

منذ سقوط نظام مبارك في مصر حتي الآن ووسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية تمتلئ بالتقارير والتحليلات المتباينة تجاه ما يمكن تسميته “أَسلمَة الثورة” ، فبينما اتجه العديد من الكتاب ذوي التوجه الديمقراطي – مثل جنيفر ليبمان و هارون موجول و كريستيان أمنبور – للجزم بأن الثورة المصرية ليست إسلامية ، ذهب العديد من المحللين والكتاب ذوي التوجه اليميني والجمهوري إلي أن الثورة المصرية وإن كانت بدايتها غير إسلامية إلا أنها قد استحالت ثورة “معادية للغرب” و”معادية لإسرائيل” ، فيقول باري روبين مدير مركز أبحاث العلاقات الدولية GLORIA ورئيس تحرير دورية الشرق الأوسط للعلاقات الدولية MERIA في مقال بمجلة فري ريبابلك بتاريخ 23 مارس الماضي : “بحلول نهاية عام 2011 فسيصل – في أغلب الأحوال – إلي سدة الحكم في مصر رئيس ذو توجه أصولي معادي لأمريكا ، والأمر من ذلك أنه سيكون معادي لإسرائيل أكثر من أي سياسي في عهد مبارك ، ومن المرجح أيضاً أن يحتوي البرلمان الجديد علي 30% من الأعضاء من الإسلاميين و أكثر من 30% من القوميين اليساريين ، هذا البرلمان سوف يصيغ دستوراً جديداً لمصر ، وأثناء صياغة هذا الدستور فإن ليبراليّ الفيبوك سيكونون معدومي الأهمية تقريباً ، سيتم إهمال أي رأي للمسيحين الذين يشكلون 10% من تعداد السكان بمصر في صياغة هذا الدستور. إن الدستور الجديد في مصر سوف يُعرّف الدولة أنها دولة مسلمة وأن الإسلام هو المصدر الرئيسي – إن لم يكن الوحيد – للتشريع” ويضيف باري روبين في نفس المقال : “إن الأصوات المعادية لأمريكا والمعادية لإسرائيل في مصر أكثر عمقاً واتساعاً مما يمكن للمراقبين الغربيين أن يتخيلوه ، وكذلك فإن الفجوة بين الإسلاميين والقوميين واليساريين أقل اتساعاً بكثير مما يفترض بها أن تكون. إن مستخدمي الفيسبوك لا يزال من الممكن أن يفضلوا دولة قائمة علي مرجعية الشريعة علي أي حال” أ.هــ

ويستطرد رايان جونز في نفس الإتجاه في مقالٍ له بمجلة إسرائيل توداي نشر بتاريخ 10 أبريل الجاري قائلاً: “…إنهم لم يكتفوا بالتظاهر والغضب ضد حكومتهم فقط ، بل لقد زحف المتظاهرون المصريون تجاه السفارة الإسرائيلية في القاهرة ، ووتجمهرواً أمام بوابة السفارة مطالبين حكومتهم المؤقتة بقطع كل علاقتها مع الدولة اليهودية وإيقاف تصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل ، والأدهي من ذلك أنهم أرادوا إزالة العلم الإسرائيلي الذي يرفرف فوق مبني السفارة…!” أ.هــ

أما أبيجيل هاوسلونر فتقول في جريدة التايم بتاريخ 21 فبراير 2011 : “يوم الجمعة الماضي توجه أكثر من مليون شخص إلي ميدان التحرير للإحتفال بالثورة والحفاظ علي مكتسباتها ، وكان أحد أهم المتحدثين ذلك اليوم هو عالم الدين المصري يوسف القرضاوي الذي قد عاد لتوه من المنفي وقام بإمامة المصلين في صلاة الجمعة ذلك اليوم ، ويري الكثيرون أن عودة القرضاوي بهذه الصورة إنما هي علامة علي أن الإسلاميون سيكون لهم الدور الأكبر في توجيه الثورة بعد ذلك ، والشيخ القرضاوي – كما هو معروف – له جمهور واسع يتابع برنامجه الواسع الإنتشار علي قناة الجزيرة ، وفي نفس الوقت فإن حلفاء الغرب في مصر انتقدوه كثيراً لمواقفه من إسرائيل ولتبريره للعمليات الإرهابية التي يقوم بها الفسطينيين.” أ.هــ

ويقول جيفيري فلايشمان في لوس أنجلوس تايمز يوم 3 أبريل الجاري : ” إن أنصار التغيير العلمانيين من الشباب العشريني الذين بدؤوا الثورة و المظاهرات في مصر يوم 25 يناير وجدوا أنفسهم بعد انهيار نظام مبارك مستبعدين من قلب الأحداث ! إن نقص الخبرة السياسية وانعدام الجذور السياسية والإجتماعية لحركتهم وفكرهم السياسي قد حرمهم من القدرة علي منافسة الإخوان المسلمين أو الحركات الإسلامية الأخري التي كانت تتحين مثل هذه اللحظة ، ويمكن القول أن القمع والإبعاد والقهر الذي مارسه نظام مبارك ذد هذه التيارات الإسلامية قد زرع فيهم الإصرار والمثابرة والتنظيم الذي يعتبر الآن هو الوقود الدافع لأجنداتهم السياسية.” ويستطرد في نهاية المقال : ” إن الدراما التي انهار بها حكم مبارك تشي بأن المستقبل السياس القادم في مصر سيكون بالتأكيد مزيجاً من السياسة والإسلام ، وهذا المستقبل سيكون له تأثير غير محدود علي نشأة الأجيال القادمة ليس في مصر وحدها ولكن في الشرق الأوسط ككل.” أ.هــ

ونختتم هذه القراءة السريعة بأهم مقال كتب في هذا الموضوع ، وهو لمايكل سلاكمان خبير شئون الشرق الأوسط بجريدة نيويورك تايمز في يوم 24 مارس الماضي ، يقول : ” في مصر مابعد الثورة ، التي يتصادم فيها الأمل والإرتباك خلال الكفاح اليومي لبناء أمة جديدة ، ظهر الدين كقوة سياسية مؤثرة بعد أن قامت الثورة بدايةِ علي يد بعض العلمانيين. أخذ الإخوان المسلمون – بعد أن كانت جماعة محظورة لعقود طويلة – مكان الصدارة في العمل السياسي ، وتحولت لشريك خفي للمجلس العسكري الذي يقوم بحكم مصر مؤقتاً ، والذي يخشي العلمانيون أنه سيكون عائقاً للتغييرات الجذرية التي يرغبون فيها ، وبات من الواضح للغاية أن العلمانيين الذين قاموا بإشعال فتيل الثورة ليس لهم أي دور الآن في دفع العملية السياسية في مصر.” أ.هــ

 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 311 other followers

%d bloggers like this: