RSS

ملاحظات علي الدستور

16 ديسمبر

فيما يلي بعض الملاحظات عن الدستور الجديد ووجهة نظري في نقده ، كنت قد كتبتها علي تويتر ثم رأيت أن أجمعها وأرتبها هنا ، وهي تبدأ ببعض التعريفات والمفاهيم التي تؤسس لما سيأتي من نقد

أقول بعون الله أن العلمانية هي نسق فلسفي ينطلق من إنكار سلطة الخالق علي البشر ومن ثم هدم فكرة اتخاذ شرائع الأديان كأساس للنظم السياسية ، وإنكار سلطة الخالق علي البشر ينبع من فلسفة الإنسانية التي تدور حول تأليه الجنس البشري والإيمان بحتمية وصوله إلي سيادة الكون ، وعلي ذلك فإن العلمانية وفلسفة الإنسانية ترفضان تقييد حرية الفعل البشري تحت أي مسمي “إلهي” أو “ديني” ولا تعترفان سوي بالقيود المادية K التي يفترض بها أن تنظم السعي الإنساني لسيادة الكون والتحكم فيه ، ومن هنا تلتقي بالليبرالية التي تضع رغبات الإنسان في مقدمة مقومات الحضارة.

وفي هذا الإطار تأتي الديمقراطية كنظام سياسي يعكس أولاً سيادة البشر علي الكون ويوفر آليات لتقرير هذه القيود المادية وحماية رغبات الإنسان.

وتعكس مصطلحات “حكم الأغلبية” و “التشريع” و “حماية الحريات” الثلاثة مبادئ السابقة الذكر علي الترتيب ، ويأتي مبدأ المساواة الإنسانية كأحد لوازم الثلاثة أنساق: العلمانية ، فلسفة الإنسانية ، الديمقراطية، وهي تساوي بين كل أفراد الجنس البشري باستثناء بعض الفوارق المادية المصطنعة كالسن والوظيفة وما إلي ذلك.


إلي هنا انتهيت من تقرير المبادئ ، وأبدأ في نقد الدستور فأقول وبالله التوفيق أن الديباجة قد قررت مبادئ علمانية أساسية منها علي سبيل المثال وحدة الكفاح الإنساني ، والمساواة بين أهداف ذلك الكفاح لدي البشر كلهم ، والاعتراف بحاكمية الأغلبية ، وأهم عناصر فلسفة الإنسانية كالمساواة وقررت أهداف الكفاح الإنساني من وجهة النظر العلمانية ، وقررت بألفاظ مطلقة غير مقيدة “حماية الحريات” التي هي أهم عناصر الليبرالية.

ثم أتي الباب الأول ليؤكد علي هذه المبادئ ، فأكد علي المساواة المستمدة من فلسفة الإنسانية ، واتخاذ “حكم الأغلبية” ومن ثم “الديمقراطية” أساسين لنظام الحكم في الدولة ، وفي تجاهلٍ عجيب لأهم أزمة تعيشها الأمة الإسلامية اعترف الدستور بشريعة اليهود دون أي تفصيل للفرق بينها وبين الصهيونية مع إغفال حقيقة أن الأغلبية الساحقة من اليهود يدينون بالصهيونية ويتحاكمون للتلمود ، وكل ذلك بدون أي مبرر سياسي فاليهود في مصر عددهم 80 كل منهم عنده جنسية أخري !

ويفيض الباب الأول بالكثيرمن المصطلحات العلمانية/الليبرالية الشائكة بدون أي تفصيل أو توضيح لها مثل “المساواة” و “الحرية” و”الثقافة” بينما يخلو من أي بيان أو تقييد لمصادر التشريع الأخري التي تأتي بجانب “مبادئ الشريعة” ولا أي تفصيل لمعني وحدود “العدل” في ظل وجود مصادر أخري للتشريع ، ويختتم الباب الثاني بفصل المقومات الاقتصادية الذي يتجاهل تماماًواقع الاقتصاد العالمي الربوي ولايقدم أي تعريف لماهية “العدالة الاجتماعية” في إطار الواقع الاقتصادي العالمي والتحديات الاقتصادية التي تعيشها مصر.

أما الباب الثاني الذي يتحدث عن الحقوق والحريات فقد خلا تماماً من أي تعريف دقيق لمصطلح “الحرية الشخصية” وأصّل مجدداً للمساواة الإنسانية ، واختص في ذلك التأصيل بالتركيز علي المساواة الإنسانية أمام القانون ، وهذا مما يحتاج التوقف عنده والاستطراد فيه ، فالشريعة الإسلامية تمتلأ بأحكام مستنبطة من النصوص القطعية الثبوت والدلالة وغيرها من الإجماع تميز بين المسلمين وغيرهم في قضايا كثيرة ، منها علي سبيل المثال المنع من قبول شهادة الكافر ، وعدم المساواة في الدماء ، والمنع من توليه مناصب القضاء والولاية وغير ذلك كثير، فالتشديد علي التطبيق القانوني لمبدأ المساواة المستقي من فلسفة الإنسانية يمنع من تطبيق تلك الأحكام كلها ، وإن قيل مادة الشريعة تسمح بذلك أجيب علي ذلك بأن مادة الشريعة تسمح بوجود مصادر أخري للتشريع غيرها ، وبذلك فهي لا تمنع الجمع بين الشريعة وما يناقضها ، وهذا أحد أوجه التناقض في الدستور ، هذا بجانب أن مواد المساواة المستقاة من فلسفة الإنسانية مقررة في الديباجة التي اختتمت بالنص علي أن ما ورد بها “ثوابت” بخلاف الشريعة التي لم يأت لها ذكر في تلك الديباجة التي هي في حقيقتها “مبادئ فوق دستورية” وفي معظمها منبثقة من وثقة الأزهر المشؤومة.

أما الفصل الثاني من الباب الثاني فهو كارثيّ بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ ! فقد كفل حرية الرأي والتعبير ولم يقرر لهما حدوداً واضحة ، كما أنه قد أفرد مادة تقرر حماية “حرية الإبداع” ولم يضع أي تعريف يحدد ماهية ذلك الإبداع الذي تلتزم الدولة بحمايته وحماية أصحابه.

وفي نفس الوقت سلب الدولة حق الرقابة علي الصحف والإعلام إلا في زمن الحرب ، وبذلك أكد مجدداً علي المنظور العلماني/الليبرالي للحريات.

وفي الفصل الرابع من الباب الثاني أكد الدستور مجدداً علي عدم جواز أن يقيد أي قانون “الحقوق والحريات بما يمس جوهرها” بما يرسخ ما تقدم ذكره

أما الباب الثالث فقد أخضع سلطة التشريع لحكم الأغلبية بما يناقض مفهوم الشوري المقيدة بأهل الحل والعقد تأكيداً لمفاهيم المساواة العلمانية

وأصّل الباب الثالث أيضاً لمبدأ تداول السلطة الذي هو من أهم مبادئ الديمقراطية والذي يضمن استمرارالنسق الإنساني متجسداً في حاكمية الأغلبية

أما الفصل الخامس فقد عطل واحداً من أهم جوانب الشريعة الإسلامية، فقد استقل بما يختص الأمن القومي والدفاع عن الشريعة وعلمائها وأهمل تماماً حقيقة أن الشريعة من أهم مقاصدها تقنين الأعمال العسكرية والحكم علي مآلاتها ، لاسيما أن تلك الأعمال تمس حياة المسلمين وأموالهم وأعراضهم ، فلم تتضمن عضوية مجلس الأمن القومي ومجلس الدفاع الوطني علماء الشريعة المختصين بدراسة قرارات الأعمال العسكرية وبيان حكم الشرع فيها

هذه هي أهم القضايا التي أراها كافية لنقد الدستور ومقاطعته ، بخلاف عدد من القضايا الأخري الفرعية التي ربما لا تتعلق بالشرع مباشرة ، فمواد الدستور متناقضة ، والمستقر منها يعكس النسق الفلسفي الإنساني الذي هو أساس العلمانية وحاكمية الديمقراطية التي هي آلتها السياسية


والله أعلي وأعلم ، والحمد لله رب العالمين

About these ads
 

الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

4 responses to “ملاحظات علي الدستور

  1. Hatem Mahmoud

    12/16/2012 at 2:25 م

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    جزاك الله خيرا على هذه الملاحظات، لكن أرجو توضيح بعض الأمور:
    1- ما هو مصدر تعريفك للعلمانية بأنها نسق فلسفي ينطلق من إنكار سلطة الخالق علي البشر؟
    2- ما هو اعتراضك على اعتراف الدستور بشريعة اليهود؟
    3- كيف يجب أن يكون تعريف “العدالة الاجتماعية” في إطار الواقع الاقتصادي العالمي؟
    4- كيف يمكن تطبيق مفهوم الشورى المقيدة، ومن يجب أن يختار أهل الحل والعقد وكيف؟
    5- كيف يتعارض مبدأ تداول السلطة مع الشريعة؟
    6- كيف يكون تقنين الأعمال العسكرية من أهم مقاصد الشريعة؟
    7- لماذا يجب أن يضم مجلس الأمن القومي ومجلس الدفاع الوطني علماء الشريعة؟ لماذا لا يؤخذ رأيهم مثلا باعتبارهم ليسوا من أهل التخصص؟

    جزاك الله خيرا.

     
  2. د. خالد صقر

    12/16/2012 at 7:25 م

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    1- في الحقيقة لايوجد أي مرجع متخصص يتحدث عن فلسفة العلمانية إلا وهو يذكر هذا التعريف ، علي سبيل المثال يقول البروفيسور هوراس م. كالن Kalen وهو واحد من أهم الفلاسفة الأمريكيين في القرن العشرين في كتابه “العلمانية هي إرادة الإله”: “العلمانية تعطي الخطأ والصواب نفس الدرجة من الحقيقة، وتجعل الدين مرادفا للإلحاد، بالفعل فإن العلمانية هي الإلحاد” أ.هـ وهناك الكثير من الأمثلة الأخري التي توضح أن فلسفة العلمانية هي في حقيقتها مرادفة للإلحاد. يأتي هنا سؤال لازم ، أنه إذا كان ذلك حقيقي ، فلماذا نري الدول العلمانية “تسمح” بممارسة الشعائر الدينية المختلفة علي أرضها ؟ الإجابة علي هذا السؤال تأتي من فهم طبيعة العلاقة الدقيقة بين العلمانية والليبرالية ، فالدين في إطار الدولة العلمانية يسمح بممارسته كأحد أنواع “الحريات الفردية” التي لا تمتد أبداً لتتقاطع مع نظام الدولة السياسي/السيادي ، ولهذا نري أن الدول العلمانية تساوي تماماً بين كل الأديان والديانات ، السماوية والوضعية علي حد سواء ، وتعتبر أن ممارسة تلك الأديان يدخل تحت باب الحريات الفردية مثل أي ممارسة فردية أخري. يذكر “دليل كامبريدج للإلحاد” علي لسان مايكل مارتن أستاذ الفلسفة بجامعة بوسطن وواحد من أشهر الفلاسفة الأحياء ، والذي قام بتحرير هذا الكتاب ، تقريره أن “السمة الغالبة علي معظم نظريات الديمقراطية الدستورية في العصر الحالي هي أن الممارسة الدينية والعقائدية ، والتعبير عنهما ، والسلوك الديني بشكل عام تقع خارج الإطار السيادي للحكومة” أ.هـ

    2- ثمّ اعتراضان علي اعتراف الدستور بشريعة اليهود : الأول أن الاعتراف بشرائع أهل الكتاب -إن سلمنا بكونه رأياً فقهياً معتبراً- يرجع مآل العمل به إلي الحاجة ، فما الحاجة للاعتراف بشريعة اليهود في مصر ؟ أما الاعتراض الثاني فهو يتعلق بمقتضي ومآل ذلك الاعتراف ، فقد كان من الواجب اللازم أن يشفع الاعتراف بشريعة اليهود بيان كافٍ بالفرق بين الأحكام المستمدة من التوراة وغيرها المستمد من التلمود ، وبيان الفرق بين الصهيونية كحركة دينية/سياسية توسعية وبين اليهودية كدين سماويّ ، وذلك لأن مآل الاعتراف بشريعة اليهود إطلاقاً ينتهي إلي انتشار التهويد في مصر ، والتهويد سمة مميزة للحركة الصهيونية بلا شك ، وأنظر انتشاره في أمريكا بصور مختلفة متعددة.

    3- الواقع الاقتصادي العالمي يدفع نحو الطبقية والتفاوت الشديد بين أصحاب رأس المال والعمال ، فكان ينبغي أن ينص الدستور علي تعريف للعدالة للاجتماعية يضع في اعتباره أثر ذلك الواقع العالمي علي مصر وموقف مصر منه ، أما النص علي “العدالة الاجتماعية” مطلقاً بدون أدني اعتبار لواقع غيابها الكلي في العالم أجمع فهو نوع من “الهذيان” تماماً كالمادة التي تنص أنه الدولة “يجب عليها رعاية الحقائق العلمية”…مجرد هذيان محض !

    4- السؤال الرابع خارج محل النقاش هنا :) أنا بصدد توضيح رأيي في الدستور ولست بصدد اقتراح وتوضيح آلية بديلة لهدم الواقع السياسي الحالي :)

    5- الشريعة تتطلب التمكين ، والتمكين يعني استقرار الحكم في أيدي من يرومون تطبيق الشريعة من جهة قوة السيطرة ومن جهة الاستمرارية الزمنية ، ومبدأ تداول السلطة بمعناه الديمقراطي كما نص عليه الدستور يمنع ذلك الاستقرار

    6- تقنين الأعمال العسكرية أو “الجهاد” من أهم مقاصد الشريعة ، لأن القتال يضع النفس والمال والعرض في خطر ، وحفظ الثلاثة من أهم مقاصد الشريعة ، كما أن الجهاد هو أهم عبادة في الإسلام و “ذروة سنام الإسلام” كما جاء في الحديث ، والشريعة بها العشرات بل ربما المئات من الأحكام المختصة بالجهاد

    7- يجب أن يضم مجلس الدفاع الوطني والأمن القومي علماء للشريعة لأنهم الذين يستطيعون بيان أحكام الجهاد في الشرع ، فعلي سبيل المثال إن حاصر المسلمون مدينة من مدن الأعداء ، ماذا يصنعون في ذلك الحصار ؟ وإن أراد المسلمون استخدام أحد أسلحة الدمار الشامل فكيف تستخدم وهي بالغة التدمير والفتك بالناس وبالبيئة أيضاص ؟ كل ذلك يدخل تحت أحكام الجهاد…ولا سبيل لبيانه إلا من جهة الشرع
    أما كونهم استشاريين فهو لا يحقق المطلوب ، فالاستشاري رأيه غير ملزم ، ولا سبيل للزعم بتطبيق الشرع مع بقائه غير ملزم علي جهة الوجوب.

    والله أعلم

     
  3. Hatem Mahmoud

    12/20/2012 at 10:07 م

    جزاك الله خيرا، لكن هل من مصدر حول كيف يمكن تطبيق مفهوم الشورى المقيدة وكيفية اختيار أهل الحل والعقد في الوقت الحاضر؟

     
  4. zeen

    12/22/2012 at 4:18 ص

    جزاك الله خير و طبتم و طابت أفكارك

    من قبل سألتك في موضوع سابق و ماذا نفعل في سورة التوبة

    و جاء نقدك للدستور الذي أفادني

     

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 310 other followers

%d bloggers like this: